بيت الحكمة- "نروي نباتات ونروي حكايات"
منير فاشه
اقتراح للمرحلة الابتدائية
فيما يلي اقتراحٌ للمرحلة الابتدائية، كمثال لشفائنا من أصولية وأوهام وخرافات ينشرها التعليم الرسمي، ولاستعادة الحكمة والعافية والمسؤولية كقيم جوهرية في التعلم والعيش. أهم ما يميّز الاقتراح أن مكوناته متوفرة لدينا. ما نحتاجه هو جرأة أكثر من أي شيء آخر: جرأة في التخيّل والبناء على ما لدينا، وجرأة في انتزاع أنفسنا من مدنية خالية من الحكمة. التحدي الجوهري ليس في إيجاد بديل للتعليم يغيّر المظهر، بل في بلورة رؤيا حول الحياة والتعلم ترتبط بعافية الإنسان والمجتمع والطبيعة، ما يجعل التمييز بين القيمة التبادلية والقيمة النفعية للمعرفة، والتحرر من الاعتقاد بأحادية الوسيط في التعلم وأحادية مصدر قيمة المرء، أمورا في غاية الأهمية. فالفكرة الجوهرية في الاقتراح هي استعادة التعددية بالنسبة للمسار الذي يمكن أن يختاره الطالب.
يتمحور الاقتراح باختصار حول اعتبار الطبيعة والثقافة أساس وجوهر عملية التعلم (بدلا من تغييبهما ومن الشرذمة المعرفية كما هو الحال في التعليم الرسمي). بعبارة أخرى، يتمحور الاقتراح حول النباتات والحكايات كأساس للتعلم. انتبه العرب القدماء إلى العلاقة بين الاثنتين إذ قالوا: نروي نباتات ونروي حكايات". أقترح أن تكون هذه العلاقة جوهر التعلم في المرحلة الابتدائية. يتغذى جسم الإنسان من نباتات نرويها، ويتغذى العقل والفكر من حكايات نرويها؛ في هذه الخلطة تكمن الحكمة والعافية والمسؤولية. عندما نروي الاثنتين نجدل نسيجا مع الأرض وما تنتجه وما نأكله، كما نجدل نسيجا في المجتمع ومع الذاكرة الجمعية والثقافة والحضارة. في "منهاجٍ" يجمع بين الزراعة والثقافة كأساس تتداخل معارف عديدة كاللغة والرياضيات والعلوم والجغرافيا والصحة والطقس والمجتمع والتاريخ والعافية والدين والاقتصاد؛ معارف ترتبط بسياق وفعل، ما يحررنا من تخصصات وأبحاث فضحها شاعر العروبة الكبير مظفر النواب بقوله: "ويزيدك عمقُ الكشف غموضا". التلاقي بين الأرض والثقافة يعمّق العافية والفهم، ويغذّي الجسم والعقل، ويفرض علينا احترام الطبيعة وحمايتها مما يضر بها. يصبح هدف العلم في هذه الحالة كشف أسرار الطبيعة للعيش وفقها ومعالجة ما نخرّبه فيها كبشر، وليس لإخضاعها (كما قرر "فرانسيس بيكون" أحد علماء القبيلة الأوروبية والملقب بـ "أبو العلم الحديث").
شريان الحياة عبر آلاف السنين في فلسطين كان الزراعة وسنضطر للعودة إليها بلا شك. فإذا هذا ما حدث بـ "ديترويت" ملكة المدن الصناعية (حيث يوجد فيها حاليا أكثر من 900 حديقة زراعية جماعية بعد انهيار السوق عام 2008) فما بالكم في بلد كفلسطين! فلا بد ان نرفع شعار "الغور أولا" فالغور هو السلّة الغذائية لنا كفلسطينيين. من خلال استعادتنا للزراعة وإعادة الاعتبار لدودة الأرض سنرفع شعار "البقاء للأضعف" في علم الأحياء في مدارسنا بدلا من "البقاء للأصلح" الذي رفعه "دارون" عالِمٌ آخر في القبيلة الأوروبية (والذي استُعمِل لتبرير جرائم ضد من هو أضعف). يتطلب هذا التحوّل حمايتنا من مأكولات خرّبتها العلوم السائدة. أما الثقافة فتشمل اللغة الحيّة التي نكتسبها عبر تفاعلاتنا مع الحياة، كما تشمل الأدب والحكايات والفنون. من الصعب تعلّم اللغة العربية دون جماليتها ومنطقها والغنى والحكمة الموجودة في ثناياها. نتعلمها عبر النطق والسمع والشعر والأدب والقرآن والحكايات والتعامل مع المعرفة كبيانٍ يبيّن ما ينضج فينا من معانٍ وفهم. تشمل الثقافة الذاكرة الجمعية والتجوال مشيا على الأقدام والتعرّف على المكان والطبيعة والناس من حولنا (كما فعل السكاكيني بمدرسته قبل مائة عام وما فعل مدير المدرسة التي درست فيها: خليل أبو ريا، تلميذ السكاكيني). من خلال المشي يتعرف الأطفال على أشكال ومعانٍ مختلفة للمأوى، وطرق مختلفة لمعالجة الفضلات. فالسيفون الذي يُنْظَر له كتقدُّم يشكل انتحارا في بلاد الشام الشحيحة بالمياه (باستثناء لبنان). يشكل السيفون مثالا يتعرف من خلاله الأطفال في عمرٍ مبكّر على الفرق بين العلم والحكمة، إذ يشكل اختراعا علميا هائلا لكن خالٍ من الحكمة (نخسر الماء والفضلات ونخرّب التربة ونلوث البيئة؛ كل ذلك ليظهر المرحاض نظيفا كأنه الطريق الوحيد). يشكل القمر موضوعا آخر في المرحلة الابتدائية، إذ يجمع في حضارتنا بين العلم والفلك والطبيعة والدين والشعر والتقويم، كما أن مشاهدة الأطفال له وملاحظة نظام حركته الغريبة يشكل خبرة مفيدة لمعنى علم وتكوين معرفة وأهمية الملاحظة في أي علم. أما الموضوع الأخير الذي أود ذكره فهو القدس باعتبارها المدينة الوحيدة التي يطمح أكثر من نصف البشر زيارتها. وفق هذه الرؤيا لا معنى لكتب مقررة بل لكتب تعكس نضجا في الخبرة وعمقا في الفهم وجمالا في البيان؛ ولا معنى للتنافس والتقييم العمودي بل العيش وفق "قيمة كل امرئ ما يحسنه"؛ ولا معنى لصفوف نصطف فيها كالغنم بل وفق مجاورات كوسيط للتعلم.
الاغتراب الذي يعيشه الشباب خاصة ويسلب المعنى والحيوية من حياتهم يبدأ بابتعادهم عن الطبيعة وبإغراقهم في ثقافة مصنّعة وكلمات بلاستيكية. دور التعليم كبير في خلق هذا الاغتراب أو في الشفاء منه.
ما أطرحه هنا ليس نموذجا، فالنماذج تخلق عقولا عبودية. لا يحتاج الاقتراح إلى خبراء همّهم الرئيسي إقناع الناس أن الماضي متخلف وولّى زمانه وأنهم لا يستطيعون عمل شيء بأنفسهم. لا يسمح الوضع في العالم الاستمرار بحالة الوهم والتخدير التي عشناها على مدى قرن. لن نجد الحل لدى من كانوا مصدر التخريب. ضروري حماية أنفسنا من التعليم التقليدي (بمعنى تقليد القبيلة الأورو-أمريكية) والبناء بدلا من ذلك على الغنى والحكمة الموجودين في الطبيعة وفي ثنايا لغتنا وحضارتنا كأساس. يتطلب هذا إعادة الاعتبار إلى العقل الفطري الحدسي، وإلى الأيدي والأرجل والأصابع والسياق والفعل كأمور هامة في التعلم. نستطيع بعد ذلك اكتساب ما نحتاج إليه من حضارات أخرى دون خوف... اخترت المرحلة الابتدائية لأن بإمكانها أن تكون بمثابة "خميرة" تنقل حيويتها إلى من حولها بطريقة طبيعية.
مثل هذا التوجه يتطلب التمييز بين واجبي أن أتعلم وواجبي أن أدرس، وهو موضوع الحلقة القادمة.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل