عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 نيسان 2016

التوب والتوبة وما بينهما

د. أسامة الفرا

اثار مقطع فيديو تم تداوله على صفحات التواصل الاجتماعي، حول مجموعة من الدعاة داخل مدرسة في غزة يحثون الأطفال على التوبة والرجوع إلى الله، موجات من ردات الفعل الرافضة لهذا المنهج مع اطفال لم يسجل بعد في صحائفهم ما يستوجب توبتهم، ناهيك عن مركبات المشهد المصاحب لعملية التوبة والتي تقترب بأبجدياتها من مشاهد صكوك الغفران لرجال الدين في أوروبا قبل نهضتها، ولم يسلم فيديو آخر يرصد عرضاَ للأزياء تم تنظيمه في أحد المطاعم على شاطئ غزة من الانتقاد كون المشهد يحاكي باسلوبه لغة الغرب في عرض الأزياء وفيه خروج عن العادات والتقاليد لمجتمع القطاع المحافظ، ما يلفت الانتباه أن ردود الفعل جاءت بعد تداولهما على مواقع التواصل الاجتماعي وكأننا لا نرى ما يدور من حولنا والتدافع نحو التناقض الذي يمسك بناصيتنا ويقودنا إلى التصادم.

نبتة التطرف تنمو من حولنا ومن يعتقد غير ذلك لا يرى الأشياء على حقيقتها، ولا يمكن لنا أن نحمل مسؤولية التطرف على فعل دون الآخر، حيث ان عدة عوامل تقاطعت فيما بينها لتشترك في تهيئة البيئة الملائمة له، فمن جانب شكل غياب الحل السلمي للقضية الفلسطينية، وعمليات القتل الممنهجة التي تقوم بها قوات الاحتلال من جهة وعربدة المستوطنين من جهة أخرى، ردة فعل تجاه التطرف داخل المجتمع الفلسطيني، سيما وأن التطرف داخل المجتمع الاسرائيلي اتسعت مساحته في السنوات الأخيرة، ومن البديهي أن التطرف داخل المجتمع الاسرائيلي يصيب العقلانية داخل المجتمع الفلسطيني بالشلل ويدفعه نحو التطرف، ومن غير المنطق في شيء أن يطالب المواطن الفلسطيني بالصمت حيال السياسة العنصرية التي باتت تتحكم بمواقف الأحزاب الإسرائيلية المختلفة، سيما في غياب الصوت القادر على كبح جماح هذا التطرف.

 لا شك أن غياب أفق الحل السياسي يلقي بظلاله على تردي الوضع الاقتصادي وزيادة نسبة البطالة واتساع رقعة الفقر داخل المجتمع الفلسطيني، واي معالجة اقتصادية بعيدة عن المعالجة السياسية للقضية الفلسطينية تخضع لقاعدة ترقيع الثوب البالي، ومن الطبيعي أن الفقر والبطالة بمثابة العكازين اللذين يستند عليهما التطرف، وغياب المقومات الحياتية الأساسية من شأنه هو الآخر أن يدفع المجتمع الفلسطيني لخانة العنف، كل ذلك لا يمكن لنا تجاهله ونحن نرصد التغير في السلوك المجتمعي، لكن ما يعنينا هنا هو ذلك الانحراف عن مسار الوسطية الذي بدأ يشق طريقه مؤخراً، ولا يمكن لنا أن نبرئ الانقسام من تحمل قسط وافر من المسؤولية، حيث نبتت في رحمه الكثير من المفردات الصادمة التي تصدع معها النسيج المجتمعي.

ألا يجدر بنا أن نتعظ من المخاطر المترتبة على التطرف الديني التي اجتاحت المنطقة وطالت الأخضر واليابس بها؟، إن مجتمعنا المثقل بهمومه وشجونه لا يحتمل اجتهادات تفاقم من أزماته، وأطفالنا بحاجة لمن يخفف من معاناتهم لا من يثقل كاهلهم بأفكاره.

[email protected]