حدث في حفل زفاف
سما حسن
ذهبت إلى حفل زفاف لألبي دعوة تلقيتها من صديقة قديمة جمعتنا سويا مقاعد الدراسة لسنوات، ولم تفرق بيننا سوى الحياة الزوجية التي أخذتنا باكرا عن شقاوتنا ومقالبنا وضحكاتنا، ولكن الذكريات بقيت والمكالمات التي تباعدت ظلت جسرا وحيدا بيننا، أما اللقاءات فلم تزد مراتها عن عدد أصابع اليد الواحدة خلال ما يزيد عن عشرين سنة.
في قاعة العرس سرحت بأيام جميلة كانت، وسرحت بايام مرت سريعا وسرقت أعمارنا، وشبابنا حتى تجاوزنا الأربعين سويا واصبحنا في منتصف الأربعينيات، نظرت لوجه صاحبتي فلم يخل من تعب السنين رغم أنها قد أجادت رسم الماكياج كما عهدتها فهي فنانة وتهوى تصفيف الشعر ومتابعة خطوط الموضة وتجيد رسم الماكياج فوق عينيها الواسعتين خصوصا اللتين طالما أحببتهما.
كنا مختلفتين في الشكل تماما ولكن المحبة جمعتنا، ولم تقل محبتها في قلبي قيد أنملة طول سنوات، وحين اعتذرت من خلال مكالمة هاتفية انها لا تستطيع توصيل بطاقة الدعوة لبيتي لبعده عن منطقة سكنها هتفت بها بقولي: انا لا أحتاج دعوة فابنتك هي ابنتي.
سرحت بأيامنا فيما كانت تراقص ابنتها العروس، وضحكت في سري وأنا أتذكر مغامراتنا في الصف حيث كنا نجلس متجاورتين, وكنت أعجب بوقفتها وقامتها وطريقتها في الحديث والرد على أسئلة المعلمات، وأتأملها باعجاب ونتبادل الضحكات حين نخطئ ونصيب.
لكن الذكرى الجميلة هي ان صديقتي كانت تحب أن تأكل خلال شرح المعلمة ولست أدري كيف كانت تفعل ذلك خلسة في كل مرة دون أن يلحظها أحد، وباحت لي بالسر حيث كنت أجلس بجوارها ولم أكن أعرف متى تمد يدها لدرج المقعد لتلتهم المكسرات المختلفة وحبات الملبس والعلكة والشوكولاتة، ولكنها أخبرتني انها تشبع بهذه الطريقة ولم تكن تخلو حقيبتها من المواد التموينية، وكنت أحب أن امارس هذه الهواية معها ولكني كنت جبانة وأخشى أن أنكشف فيما كانت تقف وتتكلم وفمها ممتلئا بالطعام المهروس أو الذي لاكته على عجل، ولست أدري حتى اللحظة كيف كانت تتكلم ولا يظهر الطعام في فمها وتثني المعلمات على إجاباتها فهي كانت متفوقة وذكية ولماحة وكانت بيننا منافسة محببة لم تصل لحد الغيرة أو العداء.
دمعت عيناي وهي تنهي رقصتها مع ابنتها العروس وتقبلها والتقت نظراتي بنظراتها فأسرعت نحوي ونزلت الدرج وتلقفتني بين المدعوات واحتضنتني، وامسكت بيدي وذهبت بي إلى حيث تجلس أمها التي احتضنتني بدورها وسألتني عن أخباري وقالت لي العبارة المعتادة: ساق الله على أيام زمان.....
كبرنا فعلا ومرت سنوات من أعمارنا ولكننا ما زلنا نحتفظ بعبق أيامنا الحلوة, الايام التي لن تعود، ولكني غادرت الحفل وأنا مصممة أن ابقى في حياة صديقة العمر وأن تبقى في حياتي, فكم أنا بحاجة لعبق عطر من الماضي.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل