عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 آذار 2016

مداخلة قانونية

د. ايهاب عمرو

يثور التساؤل في بعض الأحيان بين المختصين بالشأن القانوني في فلسطين حول سريان الأوامر التي صدرت خلال فترة الحكم العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة قبل إنشاء السلطة الوطنية في العام 1994. وفيما إذا كانت المحاكم الفلسطينية تستطيع الاستناد إلى تلك الأوامر عند إصدار أحكامها. إن تناول هذا الموضوع المهم يستدعي ابتداء تناول الإطار القانوني المتعلق بذلك الموضوع من وجهة نظر تاريخية قانونية قبل الحديث عن الممارسة القضائية.

بعد إنشاء السلطة الوطنية إثر توقيع اتفاقية إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني من جهة، وبين الحكومة الإسرائيلية آنذاك من جهة أخرى، أصدر رئيس منظمة التحرير الفلسطينية رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية قرار رقم (1) لعام 1994 نص على سريان العمل بالأنظمة والقوانين التي كانت سارية المفعول قبل تاريخ 5/6/1967 في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة). كما نص على استمرار المحاكم النظامية والشرعية والطائفية على اختلاف درجاتها في مزاولة أعمالها طبقاً للقوانين والأنظمة المعمول بها. ونص أيضاً على استمرار القضاة النظاميين والشرعيين وأعضاء النيابة العامة في ممارسة أعمالهم كل في دائرة اختصاصه وفقا للقوانين. بمفهوم المخالفة، يفهم ضمناً من سياق النص سالف الذكر أن الأنظمة والقوانين والأوامر التي سرت بعد تاريخ 5/6/1967 في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى تاريخ إنشاء السلطة الوطنية لا تكون سارية المفعول خلال حقبة السلطة الوطنية.

من جهة الممارسة القضائية، لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن بعض القرارات الصادرة عن المحاكم الفلسطينية خلال حقبة السلطة الوطنية قد استندت إما بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض تلك الأوامر، خصوصاً الأمر رقم (980) لعام 1982 بشأن الحكم بالفائدة من قبل المحكمة المختصة، الذي أجيز بموجبه للمحكمة حق تقرير الفائدة عن نفقات الحكم وعن أتعاب المحامي بعملة الشيقل بحق أحد الطرفين في الدعاوى الحقوقية، وكذلك الأمر رقم (890) لعام 1981 بشأن تعديل نص المادة 421 من قانون العقوبات ساري المفعول لعام 1960 ذات العلاقة بجريمة إعطاء شيك دون رصيد. وقد نص الأمر سالف الذكر على تعديل العقوبات المقررة لتلك الجريمة بحيث إما أن تكون الحبس لمدة سنة واحدة او الغرامة بمبلغ 10000 شيكل أو أربعة اضعاف المبلغ المبين بالشيك، على خلاف ما كان ينص عليه قانون العقوبات ساري المفعول. كما نص الأمر المذكور على ضرورة توجيه إخطار إلى من أصدر الشيك بضرورة الوفاء خلال مدة عشرة أيام من تاريخ رجوعه من البنك بسبب عدم كفاية الرصيد، وذلك كشرط لازم قبل مباشرة الإجراءات القضائية ضده.

قامت المحاكم الفلسطينية، وما زالت تقوم، بالاستناد إلى بعض تلك الأوامر عند إصدار أحكامها. ومن أهم الأمثلة على تلك الأحكام القضائية القرار الصادر عن محكمة الاستئناف المنعقدة في مدينة رام الله في القضية الجزائية رقم 85/96 الذي تعلق باستئناف مقدم ضد قرار قاضي صلح أريحا في الدعوى الجزائية رقم 566/95 الصادر بتاريخ 11/11/1995 والقاضي بإعلان عدم مسؤولية المستأنف عليه عن تهمة إعطاء شيك بلا رصيد خلافاً للمادة 421 من قانون العقوبات لعام 1960. وقد أصدرت محكمة الاستئناف حكمها تدقيقاً بتاريخ 28/2/1996 ومفاده أن قاضي الصلح قد أخطأ في القرار المستأنف وكان يتوجب وقف ملاحقة المستأنف عليه لعدم سبق توجيه إخطار له عملاً بالمادة 421 المعدلة بالأمر رقم 890 لعام1981 وبناء على ذلك فقد قررت محكمة الاستئناف إبطال كافة الإجراءات في هذه الدعوى نظراً لعدم وجود إخطار مسبق كشرط للملاحقة وفسخ القرار المستأنف وإعلان عدم ملاحقة المستأنف عليه. ومن الأمثلة كذلك بعض الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة النقض بصفتها محكمة قانون كقرار نقض جزاء رقم 233/213 وقرار نقض جزاء رقم 3/2014.

ويمكن تبرير استناد المحاكم الفلسطينية إلى تلك الأوامر بالقول إن الإلغاء الذي تم للأوامر بموجب قرار رقم (1) لسنة 1994 كان إلغاءً ضمنياً يفهم من سياق صياغة القرار، إضافة إلى أن الاستناد من قبل المحاكم الفلسطينية إلى تلك الأوامر إنما مرده إلى أن الأوامر التي يتم تطبيقها في المحاكم الفلسطينية تتعلق بتنظيم مصالح خاصة للأطراف ولا علاقة لها بالمصلحة العامة، ذلك أن كثيراً من الأوامر قد تم النص على إلغائها صراحة بناء على مقتضيات المصلحة العامة، مثل تلك التي نص قرار بقانون رقم (2) لسنة 1995 على إلغائها، إضافة إلى ما سبق، فإن بعض الزملاء المحامين يقومون بالاستناد إلى تلك الأوامر أثناء سير إجراءات الدعوى، خصوصاً الأمر رقم 890 سالف الذكر، ما يلزم المحاكم المختصة التي تنظر الدعاوى بالاستناد إليها عند إصدار أحكامها.

 تأسيساً على ما سبق، نرى ضرورة إجراء تعديل تشريعي لكافة المواضيع التي تناولتها الأوامر سارية المفعول والتي تطبقها المحاكم الفلسطينية على اختلاف أنواعها ودرجاتها وذلك من أجل تجسيد شمولية النظام القانوني الفلسطيني تمهيداً لتحقيق الغاية المقصودة من فلسفة المشرع القانوني التي تعبر عن سياسة الدولة في كافة القطاعات، خصوصاً الاقتصادية والاجتماعية منها، من جهة. وبما يساهم في توحيد الممارسة القضائية من قبل المحاكم الفلسطينية ونجاعتها من جهة أخرى.