تغريدة الصباح – بعد رحيل العمر
حنان باكير
بعد رحيل العمر اكتشفت نفسي.. بي شيء من البلادة. لم أشعر بمدى حبي لأمي، لأن أبي احتل فضاء حياتي. خطفني باصطفائه لي، من بين قطيع كبير من الأولاد. فكنت أثيرته. وخامرني شعور بأني، أحببته أكثر من أمي. أمي التي تربت في مدرسة انجليزية، في بيسان. وفي كنف أم حازمة صارمة، كانت ممسوسة بتعليم ابنائها. ذات مرة جاءت أمي فرحة، تحمل الشهادة، لتزف لأمها خبر حصولها على الدرجة الاولى في صفها.. فسألتها: يعني قديش؟ أشارت أمي بسبابتها الى رقم واحد! سألتها: وعايشة بنت الجيران؟ اجابت: درجتها الثالثة عشر! فصرخت بها: يا صباح الشوم عليك! عايشة اللي إمها وأبوها أميين بتطلع أشطر منك، وانت اللي ابوك بيقرا وبيكتب، بتطلعي بس الواحد؟ أحبطت الأم كل جهود ابنتها، لإيضاح الأمر! وقامت بحبسها في الحمام! وبقيت ثرثراتها الغاضبة تصل مسامع أمي، الى أن عاد جدي من عمله، كمراقب في محطة القطار. ضحك وحاول إفهامها الموضوع، لكنها حسمت الحوار معه: أنا صحيح أمية، لكني اعرف ان الـ 13 أكتر من الواحد!!
لم تكن امي بصرامة أمها، لكنها ترسل لنا رسائل العيون، فننصاع لرغباتها. لم تمتد يدها علينا بالضرب يوما، ومع ذلك شكلت لنا العنصر الرادع، الذي لا يجيد "تدليل" الأطفال. فانحزت الى أبي.
بعد أن حازت أمي على المتريكوليشن، درست سنة أولى في دار المعلمات في القدس. ثم توقفت، فقد جاء نصيبها. كانت خالتها التي توفيت في عز صباها، قد تركت ثلاثة ايتام. ولن يكون أحنّ على الأطفال من ابنة خالتهم. سمعت هذه القصة، بعد انتهائي من المرحلة الاعدادية.
كنت بكر أمي. وبعد ولادتي في عكا، بأشهر قليلة، بدأت معركة عكا. استأجر أبي بيتا في بلدة الصرفند في جنوب لبنان، وقام بنقل العائلة اليها، وعاد للمقاومة في عكا. أمي العكاوية، كان الحديث الأحب الى قلبها، عن مدينة بيسان. بعد سقوط عكا، واتضح هراء العودة السريعة. استأجر أبي بيتا في برج البراجنة.
بدأت عملية البحث عمن "يفكّون الحرف"، للتعليم في مدارس الأونروا. اتصل صديق والدي" داوود عزيّة"، وطلب من أبي أن تستلم أمي مدرسة الأونروا، يوم كانت خياما. ردّ أبي غاضبا: باطل باطل علينا! يعني اذا صرنا لاجئين، بدنا نبعت نساءنا يشتغلوا!! لا، الحمدلله مستورة ونص كمان! أمي كان لديها الرغبة، وليس لأسباب مادية. أعترف ان ابي منحني الحب والدلال، لكنه اكسبني عداوة تاريخية مع بعض افراد العائلة. ولم أفلح في كسب ودّهم.
يوم مات أبي، انفطر قلبي، وصارت عكا اكثر بعدا. صارت احلامي كلها في عكا. أقف على السور، وأرى حجرا كبيرا من سور عكا يسقط ويغوص في البحر. وارى أبي يسبح في بحرها ويبتعد في الماء وهو يلوح لي، الى ان يختفي! تقاسمني ابي مع عكا في أحزان الفقد والضياع.
لكن موت أمي لاحقا، كان شيئا آخر. لحظة خروجها من البيت، انخلع شيء مني ورحل معها. فصرت نصف ميت ونصف حيّ. وما زلت أحيا نصف انسان. اكتشفت بعد رحيل العمر، كم كنت أحبك! أعدك يا أمي بأني سأزور بيسان، وأحتضن شجرة بيلسان من حديقتك. وابكيك هناك بحريّة وبدموع تشبه دموعك، عندما كنت تقفين على شرفة بيتك، تراقبين الفرق الموسيقية تجوب الشارع وتعزف اغانينا التراثية. فأحضر لك علبة المحارم الورقية.. هل أخبرتك بأني ورثت عادتك؟!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل