لنكتشف ذاتنا الانسانية مع شعر درويش
باسم برهوم
لا أُبالغ القول إنني في كُل مرة أقرأ فيها شعر محمود درويش أُصاب بحالة انبهار، لأنني في كُل مرة أكتشف بُعداً جديداً أعمق لذاتي الانسانية. واسأل نفسي في ظل حالة الانبهار والاكتشاف هذه لماذا يحصل معي ذلك، واسأل ما هذا السحر في شعر درويش الذي اعيد من خلاله اكتشاف انسانيتي. ومؤخراَ قد أكون وجدت الجواب الذي اعتقد أنه منطقي من وجهة نظري.
الجواب ينطلق من السؤال التالي، ما الذي يُميز شعر درويش عن غيره؟ وكنت في مراحل سابقة أسأل السؤال ذاته عندما أنبهر بقراءة شعر لوركا الاسباني وناظم حكمت التركي، ويانيس ريتسوس اليوناني وشعر بابلو نيرودا التشيلي وبدر شاكر السياب العراقي وشعر الحلاج، والجواب كان باستمرار أن شعر هؤلاء جميعهم قد تميز وعَبرّ عن انسانية جامعة، وهو شعر الانسان لذات الانسان ومن أجله.
شعر محمود درويش هو التعبير الانقى لإنسانية البشر، فإلى جانب انه جاء من شخص مُرهف الحس ومنحاز دائماً للإنسان، درويش كان دائم البحث عن الانسانية تحت وطأة الظُلم المُريع الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وكان بذلك يقوم بمحاولة دؤوبة كي لا يحوله هذا الظلم وهذه المعاناة الى كاره وحاقد متطرف أعمى البصيرة.
وعندما انحاز درويش الى وطنيته الفلسطينية انحيازاً واضحاً، لم ينحز لأنه ضد الآخر، بل لأن وطنيته بدورها تعبير نقي لإنسانية ترفض الظلم وغياب العدل وسياسة ازدواجية المعايير التي يمارسها المتنفذون في المجتمع الدولي عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية فالوطنية الفلسطينية التي عبر عنها درويش هي في جوهرها انسانية، لأنها وطنية مهددة بالفناء وتكافح من أجل بقائها ووجودها على ارض وطنها او العودة إليه.
لذلك ليس صدفة أنني وعندما أكرر قراءة شعر محمود درويش أُصاب بحالة انبهار، ليس فقط لأنني أكتشف بُعداً أعمق لذاتي الانسانية بل أيضاً بُعداً جديداَ لماهية تعلقي بالأرض وبفلسطين، باعتبارها وطني الذي لا وطن لي بديلاً عنه. وفي كل مرة أكتشف أن الظلم لا يُمكن أن يحولني الى وحش، واعيد اكتشاف كم الحُب الذي بداخلي للآخر للانسان دون أن أفقد حقي المشروع في مقاومة الظُلم وغياب العدل، وهذا هو جوهر شعر درويش.
في ذكرى ميلاد محمود درويش التي مرت قبل أيام اوجه الدعوة من جديد لشاباتنا وشبابنا للجميع لنقرأ معاً مرة تلو اخرى شعر درويش، فهو صانع هويتنا الثقافية والتي هي المكون الرئيسي لهويتنا الوطنية لنقرأه معاً لنعيد اكتشاف انسانيتنا وكم فينا من حب، انسانية مع ذلك لا ترضخ للظلم وتقاومه.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل