نحو تجسيد عمل المؤسسات الفلسطينية كمؤسسات دولة في ضوء القانون الأساسي
المحامي د. إيهاب عمرو*
تسارعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة الخطوات الفلسطينية باتجاه تجسيد الدولة الفلسطينية على المستوى الدولي، خصوصاً بعد اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين دولة غير عضو بموجب قرار تاريخي صدر في العام 2012، والذي تبعه انضمام فلسطين إلى العديد من المنظمات الدولية والاتفاقيات الدولية. إن ذلك يستدعي بالضرورة وضع الخطط الاستراتيجية والرؤى التشاركية لتجسيد تلك الخطوات على أرض الواقع، مع ضرورة أن يقترن ذلك بخطوات أخرى تعمل على تطوير عمل المؤسسات الوطنية الفلسطينية في داخل الوطن وخارجه كمؤسسات دولة. إن تحقيق ذلك يتطلب الاهتمام بكافة القطاعات، خصوصاً الحكومية منها، وذلك حتى يشعر المواطن بأهمية وفعالية تلك الخطوات بشكل عملي وهو ما يؤدي إلى شعوره أيضاً بمعنى المواطنة كقيمة مجتمعية سامية، وصولاً إلى تعزيز مفهوم الحكم الرشيد بشكل علمي وعملي، وترسيخ مبدأ سيادة القانون الذي يحقق العدالة بين كافة أفراد المجتمع. ومن أهم المقترحات التي نستطيع تقديمها ما يلي:
أولاً: ترسيخ مبدأ سيادة القانون بأسمى معانيه وفاقاً لنص المادة (9) من القانون الأساسي المعدل لعام 2003 والتي اعتبرت الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة.
ويعد مبدأ سيادة القانون من المبادئ الراسخة في النظم السياسية والديمقراطيات الحديثة. إضافة إلى أن الشريعة الإسلامية الغراء أكدت على هذا المبدأ منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام، حيث قال صلى الله عليه وسلم "لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". إن من شأن الاهتمام بهذا المبدأ بناء دولة عصرية قائمة على أسس ومرتكزات دستورية وقانونية وعلمية، بعيداً عن المصالح الضيقة والأهواء الشخصية، وصولاً إلى دولة سيادة القانون التي يشعر فيها المواطن بضمان حقوقه وكفالة حرياته بشكل عادل. كما أن ذلك يؤدي بالضرورة إلى تقلد الوظائف العامة وفقاً لقاعدة تكافؤ الفرض، تأسيساً على نص المادة (26/4) من القانون الأساسي.
ثانياً: الاهتمام بالتعليم المدرسي والجامعي والمهني خصوصاً أن التعليم حق لكل مواطن، ونص على ذلك القانون الأساسي حيث جاء في المادة (24) منه أن التعليم حق لكل مواطن، وإلزامي حتى نهاية المرحلة الأساسية على الأقل ومجاني في المدارس والمعاهد والمؤسسات العامة. وتشرف السلطة الوطنية على التعليم كله وفي جميع مراحله ومؤسساته وتعمل على رفع مستواه. ويكفل القانون استقلالية الجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحث العلمي، ويضمن حرية البحث العلمي والابداع الأدبي والثقافي والفني، وتعمل السلطة الوطنية على تشجيعها وإعانتها. ونص كذلك على ضرورة أن تلتزم المدارس والمؤسسات التعليمية الخاصة بالمناهج التي تعتمدها السلطة الوطنية وتخضع لإشرافها.
إن الإهتمام بالتعليم يشمل، من ضمن أمور أخرى، الإهتمام بالبحث العلمي كأساس ورافد للعملية التعليمية، حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدول التي حققت تطوراً إجتماعياً ونمواً إقتصادياً هي تلك التي أولت إهتماماً بالغاً للبحث العلمي. ونقترح في هذا السياق ضرورة العناية بالبحث العملي والتركيز عليه في المدارس إبتداء، من أجل ضمان جودة التعليم الجامعي مستقبلاً، خصوصاً أن البحث العلمي يعد عنصراً مهماً وفاعلاً من عناصر الاقتصاد المعرفي الذي يدر دخلاً إضافياً لخزينة الدولة.
ثالثاً: الاهتمام بالجهاز القضائي ورفده بالعناصر القادرة على النهوض به وتطويره، ذلك أن القضاء الفاعل والنزيه يعد من اللبنات الأساسية في الدول المتحضرة، إضافة إلى كونه ضمانة أساسية للمواطنين في حالة الإعتداء على حقوقهم وحرياتهم التي كفلتها كافة الدساتير في العالم المتحضر، وكفلها كذلك القانون الأساسي والذي نص في المادة (30) على أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل فلسطيني حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وينظم القانون إجراءات التقاضي بما يضمن سرعة الفصل في القضايا. وحظر القانون الأساسي النص في القوانين على تحصين أي قرار أو عمل إداري من رقابة القضاء. إضافة إلى النص على أنه يترتب على الخطأ القضائي تعويض من السلطة الوطنية وفق القانون.
من أجل تجسيد ذلك كحقيقة على أرض الواقع، نرى ضرورة العمل على تجاوز كافة المعوقات الموضوعية والفنية والبشرية التي تعيق عمل الجهاز القضائي، وحل كافة الاشكاليات الناشئة عنها. ونرى أيضاً ضرورة العمل على إنشاء محاكم متخصصة تعمل على تخفيف العبء الملقى على عاتق المحاكم النظامية، مثل إنشاء محكمة متخصصة بقضايا العمل ومحكمة متخصصة بقضايا المنازعات الإيجارية كما كان في الحقبة الإنتدابية، وكذلك محكمة متخصصة بقضايا الأسماء التجارية والعلامات التجارية، خصوصاً بعد إزدياد النزاعات ذات العلاقة بالعلامات التجارية في فلسطين في الآونة الأخيرة من جهة، ورغبة فلسطين في الإنضمام إلى منظمة التجارة العالمية من جهة أخرى. ويمكن كذلك العمل على صوغ تنظيم قانوني حديث لمحاكم العشائر، بحيث تقوم بممارسة أعمالها وفقاً لنصوص القانون، وليس إعتماداً على أعراف غير مكتوبة، بما يشمل تحديد الصفات الواجب توفرها فيمن يشغل مهنة قاض عشائري، وتحديد إختصاصاتها، ووضع أصول محاكمات خاصة بها بما يشمل إستئناف القرارات الصادرة عنها، وكذلك تحديد أماكن إنعقادها، والعقوبات التي تستطيع أو لا تستطيع الحكم بها وفق القانون.
رابعاً: الإهتمام بتطوير القطاع الصحي، خاصة أن القانون الأساسي كفل للمواطنين خدمات التأمين الصحي في المادة (22) منه. ويشمل تطوير القطاع الصحي بالضرورة العمل على رفد المستشفيات الحكومية بالكادر البشري المؤهل والقادر على تقديم الخدمات الصحية للمواطنين بصورة فضلى. كما يشمل ذلك أيضاً العمل على رفد المستشفيات الحكومية بالوسائل الفنية والمعدات التقنية اللازمة لتسيير عملها، وبما يضمن تقديمها الخدمات الصحية للمواطنين في بيئة نظيفة وملائمة كون ذلك من الحقوق الأساسية للمواطنين التي كفلها لهم القانون الأساسي في المادة (33).
ويلاحظ في الواقع العملي أن بعض المستشفيات الحكومية لا تقوم بتقديم الخدمات الصحية للمواطنين في بيئة نظيفة، وهو ما ينعكس سلباً على آراء المواطنين بخصوص تلك الخدمات. كما يلاحظ إزدياد الأخطاء الطبية في المستشفيات، خصوصاً الحكومية منها، وهو ما يستوجب تعويضاً عادلاً للأشخاص المتضررين جراء ذلك الإهمال، في حالة إثباته، تأسيساً على أحكام المسؤولية التقصيرية بموجب المادة (50) من قانون المخالفات المدنية ساري المفعول. وأحسنت السلطة الوطنية صنعاً بالإعلان عن إنشاء مستشفى متخصص لعلاج مرضى السرطان وزراعة النخاع، كون ذلك سوف يخفف من معاناة المواطنين، مع ضرورة التأكيد على ضرورة ضمان وزارة الصحة قيام ذلك المستشفى بالعمل مستقبلاً في بيئة نظيفة، ووفقاً للمعايير الصحية المعمول بها في هذا النوع من المستشفيات المتخصصة في الدولة المتقدمة في ذلك المجال سواء كانت غربية أو عربية. ويمكن الاستفادة من الخبرات الأردنية في هذا المجال كون أن الأردن قد قطعت شوطاً كبيراً في علاج تلك الأمراض.
خامساً: الاهتمام بتطوير قطاع التأمينات الاجتماعية سواء للعاملين في القطاع الحكومي أو في القطاع الخاص وصولاً إلى تحقيق العدالة المجتمعية. ونص القانون الأساسي في المادة (22) على أن ينظم القانون خدمات التأمين الاجتماعي ومعاشات العجز والشيخوخة. ويشمل ذلك العاملون في القطاع الحكومي والخاص على السواء، مع ضرورة الإشارة إلى أن الجهة التي تقوم على مسائل التأمينات الإجتماعية للعاملون في القطاع الحكومي تختلف عنها في القطاع الخاص. كما أن الإطار القانوني الخاص بالتأمينات الاجتماعية للعاملين في القطاع الحكومي يختلف عنه بالنسبة للعاملون في القطاع الخاص. فبينما يسري قانون الخدمة المدنية لعام 1998 وقانون التقاعد العام لعام 2005 على العاملين في القطاع الحكومي، يسري قانون العمل لعام 2000 على كافة العاملين في القطاع الخاص، والذي ينص على مكافأة نهاية الخدمة للعامل دون ضمان حصوله على راتب تقاعدي. وصادق الرئيس محمود عباس على قانون الضمان الاجتماعي مؤخراً بناء على تنسيب من مجلس الوزراء، والذي صادق على ذات القانون قبل رفعه إلى سيادة الرئيس لإصداره حسب الأصول، بموجب الصلاحيات المخولة له وفقاً للمادة (43) من القانون الأساسي والتي تعطي لرئيس السلطة الوطنية الحق في إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في حالة تعذر إنعقاد المجلس التشريعي. وتضمن قانون الضمان الأجتماعي سالف الذكر، من ضمن مسائل أخرى، النص على راتب تقاعدي للعاملون في القطاع الخاص أسوة بغيره ممن يعملون في القطاع العام.
* أستاذ القانون الخاص ومحكم معتمد من وزارة العدل
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل