راجح أبو غنيم السلفيتي
عيسى عبد الحفيظ
في أمسيات سجن نابلس في أول السبعينيات، كان سجناء غرفة رقم 10 يلتقون في دائرة يتوسطها ذلك الرجل الخمسيني. كان يعرج بشدة عندما يمشي، وسلاحه الوحيد بالإضافة إلى أشعاره وصوته، هي علبة الرذاذ الذي يرشه داخل فمه بين الفينة والأخرى، للتخفيف من حدة الأزمة النفسية التي لازمته منذ حرب عام 1948، في المعارك التي اندلعت بين الثوار والحركة الصهيونية المدعومة من الاحتلال البريطاني.
كان الجلوس يتبادلون الادوار، راجح السلفيتي بأشعاره الشعبية وأهازيجه يرددها بصوته القوي الجهور، وسائر السجناء يرددون خلفه اللازمة المخصصة لكل أغنية.
أغانيه منوعة، أغاني المقاومة، أغاني مبتكرة تعبر عن الحالة السائدة. كانت قصيدته عن انهيار خط بارليف هي المتربعة على عرش أغانيه، قال في مطلعها:
بارليف بتخطيطه العصري وتحصيناته الجبارة
تحت أقدام الجندي المصري تحطم مثل الفخارة
شكل راجح منظومة إعلامية ومحطة شحذ للمعنويات لسائر السجناء. كانت أشعاره الشعبية تتنقل من سجن لآخر ومن قرية إلى قرية ومن مدينة إلى أخرى، ليتغنى بها الزجالون والمغنون ويرددها العامة من أبناء الشعب الفلسطيني كله كباراً وصغاراً، وفي المناسبات المختلفة. شكل راجح محطة إذاعية ثورية متكاملة عمل فيها وحده فهو المذيع والمغني وكاتب النشرة ومحررها.
لم تكن رحلته رحلة فن ثوري مقاوم فحسب، بل كانت رحلة رجل ثوري مكافح ومقاتل ومقاوم، وعلى كافة الصعد. فمنذ صغره تحمل راجح عبء إعالة إخوته وأخواته وهو في عمر الثانية عشرة بعد وفاة والده أحمد أبو غنيم الملقب بالحجاوي، فكانت أولى خطوات الجهاد له، كطفل يجب أن يعيل عائلة مكونة من ستة أفراد.
التحق بثوار 1936 وهو في سن الخامسة عشرة مقاتلاً في وجه العصابات الصهيونية والاحتلال البريطاني، واستمر حتى عام 1939.
احترف مهنة الغناء في الأعراس ليعيل عائلته، وانتقل بعدها إلى قرية سلمة إلى أن نشبت حرب عام 1948، فالتحق مجدداً في صفوف المقاتلين، وفي هذه الفترة أصيب برصاصة اخترقت صدره ورئته، ما سبب له لاحقاً مرضاً دائماً وضعفاً جسدياً. كان أشد ما يعانيه نوبات الأزمة التنفسية.
اعتقل على خلفية انتمائه إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، ثم اعتقل مرة ثانية عام 1955 في مواجهة حلف بغداد، ورددت الجماهير في كل المدن خلفه:
احنا شعب ما بنخاف من استعمار ورجعية
ما بنوقع على أحلاف لو ظلت منا ابنية
هرب إلى العراق بعد سقوط حكومة سليمان النابلسي، وشارك في التظاهرات ضد حكومة نوري السعيد، اعتقل بعد تولي حكومة عبد الكريم قاسم السلطة عبر الانقلاب الدموي، ثم تم ترحيله إلى لبنان، ومن هناك هرب إلى تشيكوسلوفاكيا.
عاد إلى الأردن عام 1965 بعد العفو العام، ثم غادر إلى سوريا لينتهي به المطاف مرة أخرى في الوطن متسللاً، وليبدأ مرحلة جديدة من النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي.
عاد إلى إحياء الحفلات كوسيلة تحريض ثوري، فكانت أعراس الضفة لا تستقيم دون وجوده، كما شكل عنواناً رئيساً لكافة المهرجانات الثقافية وخصوصاً في جامعة بيرزيت.
اعتقل عام 1974، وهناك كتب أفضل أغانيه التي نقشت على جدران الزنازين.
توفي عام 1990 بعد رحلة طويلة من الكفاح الوطني مناضلاً ومحرضاً ثورياً عبر الأغنية الملتزمة.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل