عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 آذار 2016

زلة لسان

د. أسامة الفرا

أثناء المؤتمر الصحفي للناطق باسم الحكومة في ألمانيا الشرقية "غوتنر شابوسكي" في تشرين الثاني عام 1989، تردد قبل أن يجيب على سؤال لأحد الصحفيين عن موعد تنفيذ قانون يسمح لمواطني ألمانيا الشرقية بالسفر إلى ألمانيا الغربية، رغم أن إجابته جاءت بعد تردد ملحوظ وبكلمات مقتضبة "حسب علمي سيدخل حيز التنفيذ في الحال"، إلا أنها كانت كافية لأن يسارع الآلاف من ألمانيا الشرقية فور سماعها صوب المعابر التي تفصل الدولتين في برلين، حاول حرس الحدود أن يمنع المواطنين الألمان من العبور لعدة ساعات قبل أن يضطر لفتح المعابر والسماح بتدفقهم، وهو ما إعتبر مقدمة أدت لاحقاً إلى انهيار جدار برلين، لم يكن هنالك متسع من الوقت لتصحيح الهفوة التي وقع فيها الناطق باسم الحكومة لا من قبل صاحبها ولا من الحكومة التي يتحدث بلسانها، لذلك سجلت كلماته بأنها زلة اللسان الأشهر في التاريخ الحديث.

هناك زلات لسان لمسؤولين يمكن تجاوزها تارة وتجاهلها تارة أخرى، إلا أن البعض منها لا يمكن القفز عليها وتطيح بصاحبها، لعل آخرها ما وقع فيه وزير العدل المصري المستشار أحمد الزند في حواره مع الإعلامي حمدي رزق، حين سأله "تسجن صحفيين؟"، ليرد الزند على السؤال الاستنكاري بكلمات أراد من خلالها أن يقول إن لا أحد فوق القانون إلا أن إجابته حملت زلة لسان لا تغتفر فيها اساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي اضطر الأزهر لإصدار بيان تناول الخطيئة التي وقع فيها وزير العدل، وهو ما دفع وزير العدل لتقديم استقالته بناء على طلب من رئيس الوزراء، لم يقتصر الأمر على الاستقالة حيث تقدم محام ببلاغ إلى النائب العام يطالب فيها باستصدار قرار بضبط واحضار وزير العدل المقال ومنعه من السفر بتهمة تحقير الشعب المصري وازدراء الأديان وتكدير الأمن والسلم العام، الغريب أن زلة لسان اخرى أطاحت بوزير العدل المصري السابق "المستشار محفوظ صابر" حين قال في برنامج تلفزيوني أنه يرفض تعيين ابن عامل نظافة في السلك القضائي.

رغم أن علماء النفس لا ينكرون الأسباب التي تقود أحياناً إلى زلة اللسان ومنها الارهاق والتعب والشرود الذهني والاضطراب النفسي واللغوي، إلا أن البعض منهم ينظر إلى زلة اللسان بأنها تعبير صادق عن مكنون النفس والمشاعر الحقيقية أو المكبوتة لسبب أو لآخر، لذا يعتبرها هؤلاء بأنها أصدق ما يعبر عن الشعور الحقيقي كونها تأتي غالباً في حالة الانفعال لا يسبقها تفكير أو تزييف، ولعل زلة اللسان الأشهر في هذا المقام تلك التي وقع فيها وزير خارجية الولايات المتحدة "جون كيري" في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الذي دعت إليه مصر بهدف جلب الاستثمارات الأجنبية إليها، حين قال إنه "يجب أن نعمل جميعاً من أجل مستقبل إسرائيل" بدلاً من مستقبل مصر، مؤكد أن بيان السفارة الأميركية في القاهرة، الذي أرجعت فيه زلة لسان وزير خارجيتها إلى الارهاق والسفر الطويل وضغوط برنامج عمله، لم يطمس الحقيقة التي جاءت عبر زلة لسان الوزير.

ما يعنينا هنا أننا لا نتوقف ألبتة داخل مجتمعنا الفلسطيني عند بعض التصريحات التي تتجاوز بكثير مفهوم زلة اللسان، بما تتضمنه من خروج فج على معتقداتنا وثقافتنا واتهامات يعاقب عليها القانون، وتحمل في طياتها ما يهدد الأمن والسلم المجتمعي، ونمر عليها مرور الكرام دون أن نطلب من أصحابها مجرد الاعتذار، وهو ما يسمح لأصحابها بتكرارها والتأكيد عليها بين فينة وأخرى في غياب الرادع القانوني، ليت هفوات التصريحات التي يقع الكثير منا في براثنها تتطابق في حيثياتها مع زلة اللسان أو الخطأ اللغوي، لكن المصيبة أن البعض منها يحمل صفة السقطات الكارثية التي يصعب مداواة آثارها.

[email protected]