أين المفاجأة في الزيارة؟
عمر حلمي الغول
يعلم الجميع في السياسة والعلاقة بين الدول والقوى والكتل والشخصيات أن لا ثوابت ولا قطيعة دائمة، وبالمقابل لا وئام دائما. تتحرك العلاقات بتحرك المعادلات السياسية والشروط المتغيرة. ومن يفترض ان هناك عداء دائما او وفاقا دائما مخطئ. أضف إلى ان التجربة التاريخية أكدت أن اجهزة امن الدول والقوى تمد خيوطها وتقيم علاقات مع خصومها واعدائها وهذا يختلف عن استقطاب اشخاص يعملون لصالحها مقابل مكافأة مالية او غيرها من المصالح.
وعطفا على ما تقدم، سألني صديق عن إمكانية زيارة وفد لحركة حماس للقاهرة بعد تحميل وزير الداخلية المصري، اللواء مجدي عبد الغفار فرع الاخوان في فلسطين المسؤولية عن اغتيال النائب العام، المستشار هشام بركات. قلت له، وفق ما اعلم، ان إعلان حماس عن اسماء وفدها المتجه للمحروسة، هو نوع من التكتيك الحمساوي لابعاد شبح الاتهام عنها راهنا. لا سيما ان هناك بعض المصادر العليمة ايضا، اشارت لوجود موقف رسمي مصري بوقف الاتصالات مع ممثلي حماس. رغم ان مصدراً آخر، اكد نقلا عن حركة حماس، ان قيادة جهاز المخابرات المصرية، لم تكن موافقة ولا راضية عما صدر عن وزير الداخلية. مع ذلك كان المرء مستبعدا من حيث المبدأ زيارة الوفد بهذه السرعة. لأن هناك مجموعة قضايا تخص الامن الوطني المصري تحتاج لاجابات.
غير ان الزيارة حصلت، وباتت واقعة. وعند الاستفسار من بعض المصادر المتابعة عن المفاجأة بتوقيت الزيارة، والمتناقضة مع المعلومات المتوفرة لديها، كان الجواب مبهما وملتبسا. لكن عند التدقيق في المعطيات الراهنة، يلحظ المراقب، ان اسباب الزيارة تتمثل في: اولا استعداد حركة حماس لتقديم تنازلات مقابل تجسير العلاقة مع الشقيقة الكبرى، منها، الاستعداد لفك العلاقة مع جماعة الاخوان المسلمين في مصر على الاقل؛ تقديم معلومات عن الجماعات التكفيرية في غزة وشمال سيناء؛ التعهد بعدم التورط في اية أعمال ضد الامن الوطني المصري؛ منع او المساعدة في منع تهريب السلاح والاموال للمجموعات التكفيرية من البحر او الانفاق، التي ما زالت تعمل، المساومة بشأن المتورطين في عمليات ارهابية ضد الامن الوطني المصري؛ ثانيا تغيير التكتيك المصري إرتباطا بالتغير النسبي في المعادلة الاقليمية؛ ثالثا محاولة إبعاد حركة حماس عن تركيا وقطر وبالتالي إسرائيل، عبر إيجاد منافذ ومخارج بديلة لها؛ رابعا السعي لاخراج حماس من مواصلة التورط في سوريا او ليبيا او اليمن او غيرها من الجبهات إن امكن؛ خامسا الحفاظ على دور مصر كراع لعملية المصالحة الفلسطينية، وطمأنة قيادة حماس، ان المصالحة الوطنية لن تكون على حسابها بل بالشراكة معها. لا سيما ان القيادة المصرية لا تريد ولا ترغب بدخول اية اطراف عربية او اقليمية على خط المصالحة الفلسطينية، وهو ما اكدته القيادة الشرعية الف مرة.
لكن هل زيارة حركة حماس، تعني انقلابا في الموقف المصري من القيادة الفلسطينية الشرعية؟ ام انها جاءت بهذه السرعة لاعتبارات خاصة؟ من المؤكد ان الزيارة لم تحدث ولن تحمل اي تغيير في الموقف الرسمي المصري من القيادة الشرعية. بل ان القيادة المصرية تؤكد بشكل دائم حرصها على دور ومكانة الرئيس محمود عباس وحكومته الشرعية ومنظمة التحرير. ولن تمس الموقف المبدئي المصري من نواظم المصالحة، ولا تنتقص من القيادة الشرعية. كما ان موقف القيادة الفلسطينية كان إيجابيا من الزيارة. واعتبرتها خطوة تخدم الامن القومي المصري والفلسطيني والعربي.
رغم المفاجأة في التوقيت، إلا ان اي مراقب يملك حدا أدنى من الف باء السياسة، لا يعتبر حدوثها امراً مستغربا او حدثا غير مشروع او انها خارجة عن المألوف. ومصر المحروسة لها كامل الحق في رسم سياساتها وفق ما تمليه عليها حساباتها ومصالحها الوطنية. لكن من غير الواقعي الذهاب بعيدا في الآمال والاستنتاجات غير الواقعية للزيارة، وعلى الجميع الانتظار بعض الوقت لقراءة التطورات. مع ان المرء يحدوه الامل والرغبة بأن تزيل الزيارة كل عوامل التعطيل والافتراق بين الشقيقة الكبرى وحركة حماس، لان ذلك يصب في المصالح الوطنية والقومية.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل