من بيدر الحياة - مدرستي الحبيبة
عبد السلام العابد
فتح ناجح دفتر يومياته، وأمسك بقلمه الأزرق، وراح يعتصر أفكاره، فيما كانت عيناه تحدقان في الورقة البيضاء. وعادة يجد صعوبة في اختيار العبارات المفتاحية الأولى، ولكن هذه الصعوبة تتبدد شيئا فشيئا، عندما ينتهي من كتابة السطر الأول.
شدّ بأصابعه على القلم، وكتب: إنني حزين حقا، في هذه الأوقات. ترى، ما سبب حزني؟، ولماذا أشعر بالمرارة والألم؟. وأجيب: إن السبب يكمن في عدم قدرتي على لقاء حبيبتي، والتواصل معها. هذه الحبيبة الغالية التي تعلق قلبي بها، مذ كنت طفلا صغيرا في السادسة من عمري. إنها مدرستي الغالية التي كبرت في أحضانها، وأمدت ذهني بزاد العلم والمعرفة والثقافة. مدرستي حزينة مثلي تماما، ساحاتها موحشة، وغرفها خالية، ومكتبتها ومختبراتها كئيبة، ومقاعدها تشتاق إلى أحبتها الذين غابوا عنها، بعد أن كانوا يمضون فيها وقتا حلوا مليئا باللعب والسعادة والمرح.
كم أنا مشتاق لرنين جرسها، وانتظام صفوف الطلبة في ساحتها صباحا،والاستماع إلى الإذاعة الصباحية، والنشيد الوطني الفلسطيني، بموسيقاه العذبة، وكلماته الرقيقة، والعلم وهو يخفق بألوانه الأربعة، في فضائها المفتوح على الربوع الخضراء، والكلمات الداعية إلى النشاط والحيوية، والجد والاجتهاد، والتزود بالزاد الثقافي والحضاري. كم أنا تواق لسماع كلمات المدير والمعلمين الأفاضل الذين يشحنون نفوسنا بالأمل والتفاؤل، ويدعوننا إلى القيم النبيلة، والسلوك الحسن، والإقبال على الدراسة والتحصيل العلمي، وبناء وطننا الذي يعتز بأدبائه وعلمائه ومثقفيه، ومدارسه ومعاهده وجامعاته التي خرجت نساء ورجالا مسلحين بسلاح العلم والتربية والمعرفة.
أجل. واللهِ إنني لحزين. وكيف لا أحزن، ونحن ما زلنا متغيبين عن مدارسنا، منذ زمن طويل؛ بسبب هذا الإضراب الذي طال أمده، وكثرت خساراته، الأمر الذي يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبلنا؟!. إنني أعتز بمعلماتنا، ومعلمينا الأعزاء، وأتمنى أن يحققوا كل ما يصبون إليه، ولكننا، نحن الطلبة، نريد أن تفتح مدارسنا أبوابها؛ لتستقبلنا، ونتعلم فيها، بدلا من التسكع في الشوارع والحارات والأزقة ومراكز اللهو، وإهدار الوقت الثمين.
واعتقد جازما، أنني لست وحدي مَنْ يشعر بالألم والحزن، بل إن شرائح مجتمعنا الفلسطيني كله حزينة لما آلت إليه الأمور، وفي المقدمة أمهاتنا وآباؤنا الذين يعانون ويتألمون، وهم يرون بناتهم وأبناءهم يغطون في فراش الكسل والخمول، بدلا من الاستيقاظ والهمة والحيوية في الصباح، والاستعداد للذهاب إلى مدارسهم.
مدرستي الحبيبة، لقد اشتقت لك كثيرا، فيا كل الحكماء والغيورين في وطني الحبيب، أرجوكم، تعاونوا على حل هذه المشكلة، وأوقفوا هذا الإضراب الطويل، وأعيدونا إلى مدارسنا، فمن حقنا أن نتعلم.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل