عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 آذار 2016

فانتازيا

حنان باكير

الخيال والأفكار لا قيود عليهما. لا يعترفان بحدود او جدران. ولك الحرية في ممارستهما خفية وعلانية. ورغم أن الموضوع، الذي أعنيه، قاس الى حد الوجع الصارخ، الا اني لم استطع كبح جماح، خيالي الذي أخذني الى رؤى غريبة، لم تخطر ببالي ولم اتعمدها! فهل شعوري بالعجز، دفعني الى تلك الفانتازيا، كنوع من الهروب من الضغط النفسي!

ليس بالجديد موضوع سرقة أعضاء الشهداء. فمن يسرق وطنا بكامل ترابه وسمائه وهوائه، لن يعيقه سرقة قلب أو عين أو كلية! لكن مشاهدتي لتقرير تلفزيوني عن تلك السرقات، واعترافات بعض الشخصيات بها، وكيفية القيام بها، أصابني بدوار وغثيان. فقررت الخروج للمشي في الطبيعة، لتمدني بالسلوى والسكينة.

شهدت البلاد، التي هي مسرح الأحداث، حالة إرباك وفوضى. سلوكيات غريبة وغير مفهومة. جنود مدججون بالسلاح، يتصدون لمسيرة سلمية. الأوامر معروفة، اقتل وامش! صوب جندي سلاحه الى رأس امرأة، نظر في عينيها المحدقتين فيه بغضب، أنزل بندقيته، مسد رأسها بيده، ثم استدار ومشى. وقفت المرأة مشدوهة ودمعت عيناها، ليس فقط لسلوك الجندي الغامض، لكن لشعور آخر غريب لم تستطع فهمه! لكن ما حدث، أن في صدر ذلك الجندي، يخفق قلب الابن الشهيد لتلك المرأة!

جندي آخر، على أحد الحواجز، أمسك بخناق رجل خمسيني، حدق في عينيه مليا، تراخت يده، وسمح له بالعبور، وملوحا له بيده. كان السلوك لغزا حير الطرفين معا! الجندي يحمل عيني ابن الرجل الشهيد. وهناك طفل تمكن من انقاذ مجموعة اطفال، يحملون الحجارة، من جندي انتابه شعور مباغت يسري في عروقه، تذكر انه أخذ دم فلسطيني، كان دم شقيق ذلك الطفل! الجندي وآخرون كثر، ضربتهم موجة حنين حارق لمواطنهم الأصلية، صحت ذاكرتهم، على مطارح غادروها، لأسباب مختلفة.. فقرروا العودة اليها! بسبب الدم الفلسطيني الذي يحن دوما لموطنه الأصلي.

حركة هجرة معاكسة الى الغرب، تنشط في البلاد، وتربك السلطات، فتستنفر العلماء والاطباء النفسيين، لدراسة تلك الظاهرة المرعبة! وفي الطرف الثاني، حالة تشوش غير مفهومة، اذ كيف يدب الحنان فجأة في قلوب الذئاب.. فاستنفروا الأطباء لدراسة تلك الظاهرة.

الهجرة تتزايد، وتفرغ البلاد.. وتصيب المسؤولين بهستيريا ولوثة جنون.. والتراخي في استعمال القوة مع اصحاب الأرض، تتضاعف كل يوم، والتقارب بينهما بدأ يزداد يوما بعد يوم، فتسود البلاد حالة من الهلوسة. اكتشف علماؤهم السبب.. لكن كيف يمكنهم انتزاع الأعضاء المسروقة وإعادتها الى اصحابها! صار لديهم مخلوقات غريبة لا يمكنهم السيطرة عليها وعلى أحاسيسها.

عرف الطرف الآخر السبب ايضا، انها اعضاء ابنائهم ودمائهم المسروقة، وقد تحركت في أجساد اولئك الجنود! في اليوم التالي، بدأت طوابيرهم على ابواب المستشفيات في الاراضي المحتلة للتبرع بقطرات من الدم! وهكذا حل السلام بطريقة فريدة ومختلفة.

أواصل المشي، الهوينا أو السريع بحسب الفكرة تغزوني.. انثيالات تلك الرؤى، لم تشغلني عن مشاهدة البراعم البنفسجية، التي بدأت تشق طريقها للنور، من خلال الثلوج الخفيفة، والأغصان العارية والداكنة، بدأت تكتسي ببراعم ما زالت تختبئ داخل قشورها.. تلك المشاهد طالما كنت اترقبها، في بداية كل ربيع.. لكني تذكرت أنني ومنذ "بزوغ" الربيع العربي، كأنما أصابني نفور من هذا الفصل ومن اسمه، ولم أعد أترقب واراقب دقائق وتفاصيل، عودة الحياة الى الطبيعة.