عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 شباط 2016

ثرثرات السرفيس

حنان باكير

لدراسة نبض الشارع، ومؤشر البورصات، والاوضاع العالمية، ليس امامك الا اعتياد ركوب السرفيس في تنقلاتك. في السرفيس تستمع الى خبراء في الاستراتيجيات كلها، العسكرية والسياسية والاجتماعية. والى المحللين النابهين في شتى المجالات. وكل واحد يجزم، بأن تحليله للأوضاع لم يخب يوما! وأن ما يحدث الان، كان قد تنبأ به منذ سنوات! واذا كنت لا تستعمل السرفيس، فقد حرمت نفسك من متع كثيرة.

ذات مرة، أزعجني سائق تاكسي، كتب امامه اعلانا بخط بدائي، " الرجاء عدم الحكي بالسياسة، خلينا أصحاب".. لم ينبث السائق بكلمة واحدة، وهو يحاول عبثا ايجاد طريق مفتوح. يذهب من طريق، فيجده مغلقا، بسبب وجود قصر فلان. يأخذ طريقا آخر، فيجد حرس بيت الزعيم فلان، وقد منعوا المرور به! وفجأة أجفلني صوت طرقة قوية، لم اميز مصدرها.. انه السائق الذي ضرب مقود السيارة بيده، صارخا بلهجته البيروتية "يحرق... الزعيم اللي هلقد خايف على حاله، ينقبر يرجع على منطقته، واتركونا نسترزق ونعيش"!

عندما صعدت السرفيس، في المقعد الخلفي، كانت تلك المرأة السمينة بإفراط، صامتة لا تصدر عن صدرها المتعب، الا تنهيدات حرّة، السائق قطع صمته وقال: وحدي الله يا حاجة! لا اله الا الله. اجابته. طول ما الروح موجودة، بيهون كل شي، عقب السائق. والله يا خيّ الروح راحت، والجثة ما رجعت، بعدها محبوسة بالمستشفى، حتى نكمل بقية حساب لا نملك منه قرشا واحدا! ملاّ دولة وملاّ بلد هه! والله بعدني ما قادرة ولا عندي وقت احزن او ابكي على زوجي، لازم بالاول أدبر المبلغ من العيلة والأجاويد!

يحدث احيانا، أن نبدي ردات فعل، تتناقض مع طبعنا وطبيعتنا التي اعتدناها. فنقف مشدوهين امام سلوك لا يشبهنا. من أمام سنتر ستاركو، أوقفت سيارة سرفيس باتجاه شارع الحمرا. الى جانب السائق رجل، وفي المقعد الخلفي جلست امرأة. فتحت الباب، واكتشفت ان حركة المرأة بطيئة لمشكلة في وركيها. طلبت منها عدم التحرك، واتجهت الى الباب الثاني، حيث طريق السيارات. أشرت للسيارة القادمة بالتوقف، لأني اريد فتح الباب والصعود. ابتسم وتوقف، وبعد صعودي مددت له يدي شاكرة، ابتسم ورفع ابهامه، علامة الاعجاب.

لحظات وسمعت السائق يقول: الذوق يا عمي من وين بينشرى؟ سمعته واعتقدت أنه شاهد أمرا ما في الطريق. كرر جملا تحمل المعنى ذاته! والناس صايره بلا ذوق! سألته: حضرتك مع مين عم تحكي، ومين المقصود؟ قال: يا مدام مين بيفتح هيدا الباب من صوب السيارات! أجبته: انت لست بأعمى على ما اعتقد، ألم تشاهد ما فعلته، حتى لا أزعج المرأة المريضة؟ وبعدين معشر السواقين، بشكل عام، آخر من يحق لهم الحديث في الذوق! لأننا ببساطة لا نملك الذوق والأخلاق في قواعد القيادة.. هل أبدأ بك؟ أنت وصديقك الذي الى جانبك، أشعلتما سيجارتين، دون استئذان منّا! فهل هذا هو الذوق؟ انا لدي حساسية للدخان.. انقلب الرجل يتحدث بلكنة فلسطينية مصطنعة، للخروج من المأزق الذي وضع نفسه وقال: وانا كمان فلسطيني! اجبته بلامبالاة، تشرفنا! لا يهمني من اين انت!

طيلة الطريق، كنت أرقب السيارات العمومية والخصوصية، وأريه التجاوزات المنافية للذوق، بما فيها طريقته في القيادة. حتى صار ارتباكه واضحا! لم أتسامح مع السائق كعادتي، بأن انزل من السيارة من اول شارع الحمرا، لأوفر عليهم الوقوع في الزحمة. فالمشي رياضة أحبها.

عندما نزلت من السيارة قال: انا آسف. اجبته: انا نادمة لاضطراري ان اكون مثلك.