عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 شباط 2016

"بيت الحكمة" - نحتاج الى البوصلة

منير فاشة

نحتاج إلى بوصلة.. العالم المعاصر يعيش بدون بوصلة، أو بتعبير أدق يعيش وفق بوصلة نمط الاستهلاك في الفكر والقول والعمل والتعامل. بوصلتنا في السابق كانت الحكمة، وهي التي من الضروري أن تعود كبوصلة لنا في الوقت الحاضر، ليس فقط بالنسبة لنا كفلسطينيين أو كعرب بل أيضا للبشرية جمعاء، في صراعنا من أجل البقاء. وَضْعُ العقل على العرش وسَجْنُ الحكمة (هذا ما فعلته القبيلة الأوروبية قبل ما يقارب من 400 سنة) أنتج الكثير، لكن بسبب عدم مرافقة الحكمة له، عاث فسادا لا مثيل له عبر التاريخ. إذ إذا قارنا ما كسبناه مع ما خسرناه من جراء سيطرة العقل على الحياة وتغييب الحكمة، نجد أن التخريب والدمار والأزمات والأخطار التي نشهدها ونعيشها الآن تفوق أضعافا مضاعفة ما كسبناه، على شتى الأصعدة.

هذه الزاوية هي محاولة متواضعة لإبراز أهمية استعادة الحكمة في الحياة. هي بمثابة بوصلة يحتاج لها العالم المعاصر في مسيرتنا كبشر نحو المستقبل. هذه البوصلة غائبة ومغيبة من شتى نواحي الحياة. منذ 2008 وأنا أحاول إقناع جامعة فلسطينية بإنشاء 'بيت حكمة’ تحمل روح ما كان في بغداد قبل 1200 سنة. بعثت برسالة إلى كل الجامعات لإنشاء مثل هذه "الكلية"، كتجربة نتعلم منها، لعشرة طلبة فقط يريدون السير وفق هذا الوسيط في التعلم ونُشِرَت الرسالة في جريدة 'الحال’ بجامعة بيرزيت، لكن لا حياة لمن تنادي. أي اقتراح لا يتطابق مع القبيلة الأورو-أمريكية غير مقبول في جامعاتنا! استعادة الحكمة في حياتنا وجامعاتنا هي مسؤولية جوهرية ملقاة على أكتافنا كعرب. أستعمل كلمة "عرب" هنا بمعنى يشير إلى مجتمعات تعددية قوتها الرئيسية تكمن في أن أهم ما يميزها هو وجود نسيج مجتمعي فكري روحي بين مختلف الأديان والمذاهب والثقافات والخلفيات. العراق وبلاد الشام وشمال أفريقيا ضمت عبر مئات السنين مجتمعات ميزها مثل هذا النسيج، رغم تمزقه في بعض الأحيان. تشكل الحكمة الخيط الجوهري في هذا النسيج.

منذ 1948 شكلت فلسطين بوصلة لكثيرين حول العالم، كانت ولا تزال مجهرا نستطيع عبره أن نرى بوضوح ما يجري في العالم الواسع. وما زالت قوتنا الرئيسية كفلسطينيين تكمن في رأيي في أننا مؤهلون أن نلعب دورا هاما في استعادة الحكمة في الحياة، خاصة فيما يتعلق بالتعلم والمعرفة. أقول 'مؤهلون’ بسبب ما نملكه من مصادر قوة: خبراتنا منذ بداية القرن الماضي، وقصصنا وحكاياتنا التي تعكس هذه الخبرات، وحضارتنا التي أهملناها منذ انبهارنا ببريق القبيلة الأوروبية الذي أعمانا عن رؤية الواقع. ما نحتاج له بشدة هو التأمل في هذه الخبرات والاجتهاد في توليف معانٍ لها. نتكلم عن خبراتنا عبر مصطلحات مهنية مؤسسية وعبر تصنيفات أكاديمية بدلا من بيانٍ يبيّن ما يختلج وينضج في دواخلنا (على حدّ تعبير إنسان جميل مغيب من مناهجنا وتفكيرنا ألا وهو الجاحظ). انبهارنا بالقبيلة الأوروبية اعتمد على ظنّنا بأن التقدم على صعيد الآلات والأجهزة (والذي أبدعت فيه أوروبا ثم أمريكا) يعني بالضرورة تقدما على صعيد الحياة. عندما أسمع أو أقرأ بأن المدنية الغربية هي امتداد للحضارة العربية الإسلامية، أقول: يا ليت هذا حدث، لَمَا كنا نعيش الأخطار وتخريب الحياة وتهديد استمرارها على الأرض. نعم، أخذت أوروبا كثيرا – خاصة عبر الأندلس – من الحضارة العربية لكنها تركت ما كان الأهم: الحكمة. أخذت ما رأت أنه يدعم ما يشكل أهم ما تسعى لغرسه في عقول الناس ألا وهو الادعاء بالفوقية وأن أوروبا أرقى الحضارات. لذلك مثلا ركزوا على ابن رشد (أكثر من ابن عربي) لأنهم استطاعوا أن يقنعوا أنفسهم بأن كل ما فعله ابن رشد هو ترجمة أرسطو الذي هو أوروبي، وأهملوا نواحي أخرى فيه كمفكر ملهم. فقط حديثا بدأ بعض الأوروبيين اكتشاف عمق وتكامل فلسفة ابن عربي... في رأيي، لا أمل للبشرية إذا استمررنا بسجن الحكمة وإطلاق العنان للعقل لأن يسير دون واعز ودون بوصلة غير السيطرة والفوز القيمتين اللتين ارتبطتا منذ حوالي 250 سنة بعجلة النمو الأسّي المركب لرأس المال والذي احتاج مع بدء الثورة الصناعية إلى أدوات، وكانت "الدولة الوطنية" والتعليم الرسمي النظامي المركزي (إلى جانب البنوك بالطبع) هي أدواته الرئيسية.

في نهاية هذا المقال الأول أود أن أذكر أمرا يعكس روح ما سأكتب عنه في هذه الزاوية. جامعة "هارفارد" التي تُعْتَبَر من أرقى الجامعات في العالم سميت على اسم الشخص الذي دفع أول شيك لإنشائها، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على فكر سوقي بنكي استهلاكي. كذلك، من الجامعات العلمية المرموقة هي MIT والتي يعكس اسمها المؤلف من ثلاث كلمات اسم الولاية (ماساتشوستس) والوسيط (مؤسسة) والأداة (تكنولوجيا). في المقابل، عندما شيّد هارون الرشيد وابنه المأمون دار معرفة وعلم، لم يسموها جامعة الرشيد ولا جامعة بغداد ولا الجامعة العربية أو الإسلامية بل "بيت الحكمة"، وإنْ دلّ هذا على شيء فإنما يدل على أن جوهر وهدف المعرفة والعلم والتعلم هو الحكمة.