الدولة الوطنية في دائرة هدف (العنصرية الإرهابية)!
سؤال عالماشي - موفق مطر

استخدام مصطلحات مشتقة بانتقائية ومجتزأة من سياقها في النصوص الدينية أو التراثية التاريخية المرتبطة للوصول إلى السلطة السياسية، أو اتخاذها مستندا لتبرير أو تشريع خلاف جوهري من النظام السياسي، أخطر ما قد يحدث لشعب من شعوب الدنيا، وتحديدا السائرة على نهج تحرر وطني، والساعية نحو انتزاع الحرية وتحقيق الاستقلال.
وتكمن الكارثة في تقصد مستخدمي الدين وضع الوطن، ومنهج المبادئ الوطنية، والانتماء الوطني في جبهة الضد من العقيدة الدينية، وتركيز تنظيراتهم ومفاهيمهم وتعاميمهم السلبية (اللامنطقية واللامشروعة) والدولة الوطنية على تنوع نظمها السياسية.
فالمقصود والثابت في أجندة الجماعات المستخدمة للدين (جوهر الدولة الوطنية) باعتبارها الجامع المانع، الحامي والضامن لحرية وأمن وسلامة وكرامة وحقوق كل فرد من مواطنيها، بميزان العدل والمساواة دون أي تمييز على أساس العقيدة والنوع، ومن البديهي اصطدام المتطرفين مع مبادئ الثقافة الإنسانية، والعلوم بكل عناوينها وتحديدا السياسية، باعتبارها المراجع الأساسية لتنظيم حياة وإدارة شؤون المجتمعات المعاصرة، وكذلك محاربتهم للفلسفة والمنطق والعقلانية ووضعها -ظلما وعدوانا على الدين- في أول قائمة المحرمات!! لأن من شأن المجتمعات الإنسانية التي تدرك ذواتها، وترى الحياة بمنظور إنساني متطور متجدد –غير متصخر أو ثابت زمانيا ومكانيا– لا تمكن الجماعات المتطرفة التي اتخذت الإرهاب الفكري والمادي الدموي وسيلة وحيدة لفرض صورة القطيع بشكلها ومضمونها، ذلك أنهم مشبعون بمفاهيم التفوق والأفضلية، إلى حد بلوغهم التمييز العنصري، الذي على أساسه يجيزون اتخاذ الإرهاب الدموي سبيلا لبلوغ أهدافهم ولإنشاء منظوماتهم الخارجة أصلاً عن ناموس الإنسانية، ومبادئ الرسالات السماوية، وتراهم يصرون على المضي بالجريمة ضد الإنسانية، رغم فشل تجاربهم الماضية والآنية التي ما زالت أحداثها ماثلة في الذاكرة، حتى أنها اندثرت في بقاع ليست بعيدة جغرافيا عنهم.
أما مشكلة هؤلاء وتحديدا –المسيرين المنفذين- الذين اجتثت قدراتهم على التفكير، والبحث والتعلم من التجارب، وتبصر قيم السلام والمحبة والإخاء الإنساني في الحياة، مشكلتهم أنهم باتوا أدوات ولكن بصورة آدمي بشري، يتم تحويلهم إلى آلات مبرمجة، تزج في معارك (أسيادهم) على رقعة شطرنج النفوذ والهيمنة والسيطرة على بلاد ودول بخيراتها وثرواتها، والأهم لوأد فكرة التحرر والتقدم العلمي، وإلغاء برامج الدولة الوطنية لمواكبة الإنسانية واللحاق بمسارها المفتوح على خيارات عديدة بفضل التكنولوجيا المتقدمة .
لا تتحمل قيادات الجماعات المستخدمة للدين رؤية مجتمع إنساني خارج سيطرتهم، فالعصبوية (العنصرية) الموروثة وغرائزهم المنفلتة تمنعهم من الانقياد للنظام، والانسجام الفردي والجمعي مع مجتمعاتهم، ذلك أن الحواجز النفسية التي بنيت في داخل كل فرد يتم استقطابه منذ الصغر، وينشأ في كنف تعاميم العدائية والكراهية للآخر، جعلته يتقدم في دروب الجريمة ضد الإنسانية كرجل آلي فولاذي، تتوفر فيه كل عناصر القوة المادية، ويفتقد للإنسانية الأهم وهي: الأحاسيس والمشاعر والرؤى، والمحاكمة العقلانية الذاتية، والقدرة على امتلاك القرار في لحظة ستحدد هويته ومصيره، فإما مخلوق همجي مجرم يقدس الموت طمعاً بما بعده!! كما أقنعه كبار شياطين جماعته، أو إنسان عاقل يقدس الحياة والنفس الإنسانية، ويكون من أمة الإنسان التي تحييها.
إن الكراهية والعدائية (العنصرية الإرهابية) المنسوبة ظلما للدين جريمة، ليس مستحيلا تجفيف بيئتها، لكن مع الإقرار بصعوبة تحقيق ذلك، فإن الأمر لا يتطلب أولا أكثر من الجرأة والتمكن بالحق والصواب والعمل الصالح المستقيم، ليتبين الناس خطيئة وجريمة العاملين على استخدام الدين لخدمة أغراضهم ونزواتهم السلطوية، ولعل أول ما يجب فعله منع هؤلاء من العبث بعقول وسلوك الطفولة لدى الأجيال القادمة، وبالتوازي إقامة ميزان العدالة لمحاسبة كل من يخل بقواعد ومبادئ ومواد القانون، الذي ما كان، ولن يكون ضابطا وحاميا وضامنا ورادعا للمنحرفين والمجرمين مستخدمي مصطلحات ومفردات الدين للفتنة والصراعات الداخلية، إلا بإعلاء إرادة الشعب والانتماء الخالص للوطن وحسم القضايا بقوة ونزاهة العدالة.
مواضيع ذات صلة
الدولة الوطنية في دائرة هدف (العنصرية الإرهابية)!
"زئير يهودا" في الخليل.. عقيدة "الإخلاء السكاني" والنموذج الأخطر لتهجير الضفة
ستون غراما.. حين يصبح الزيتون مسألة سيادة
الوجود والتعاقب الحضاري.. (الشاهد الملك)
الحرب على الذاكرة والوعي: معركة الرموز في الضفة
المسكوت عنه!
"دانييلا فايس" في مركز المشروع الصهيوني الديني