"زئير يهودا" في الخليل.. عقيدة "الإخلاء السكاني" والنموذج الأخطر لتهجير الضفة
د. باسم التميمي

جاء إعلان وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، المصادقة على إنهاء العملية العسكرية المسماة "زئير يهودا" في مدينة الخليل، ليعكس معضلة مركبة تعيشها المؤسسة الصهيونية؛ إذ جاء القرار رضوخاً لتوصيات قيادة الجيش التي حذرت من استنزاف القوات وتراجع الجدوى الأمنية للأنشطة الهجومية داخل الأحياء الفلسطينية المكتظة.
ومع ذلك، لم يكن هذا الإعلان تراجعاً طوعياً، بل اشترط كاتس للمصادقة عليه بندين يمسان عمق الوجود الفلسطيني: أولهما، إعداد آلية رسمية ومنظمة لـ"الإخلاء السكاني القسري" بوصفها أداة عملياتية ثابتة في المستقبل؛ وثانيهما، توجيه تهديد مباشر، بمنطق الابتزاز السياسي، إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، محمّلاً إياها تبعات أي مواجهات عسكرية قادمة، مع التلويح بموجات تهجير أوسع نطاقاً وأشد فتكاً.
يكشف هذا القرار عن تداعيات ميدانية واستراتيجية بالغة الخطورة، تتجاوز الجغرافيا العسكرية التقليدية للضفة الفلسطينية المحتلة. إن اشتراط تطوير آلية لـ"الإخلاء السكاني" ليس مجرد تدبير طارئ، بل هو مأسسة علنية لسياسة "التهجير المؤقت" وتحويلها إلى عقيدة عسكرية إسرائيلية معتمدة، تُستخدم أداةً للعقاب الجماعي، بهدف كسر إرادة المدن الفلسطينية الكبرى وإفراغها من سكانها.
أما عن الخلفيات والسياسات التي قادت هذه العملية، فمن الواضح أن دولة الاحتلال سعت إلى تحقيق أهداف استراتيجية ومستقبلية واضحة؛ يتمثل أولها في استعراض القوة ومحاولة الردع الاستباقي لمدينة الخليل، نظراً إلى ثقلها البشري والجغرافي والاقتصادي في المعادلة الفلسطينية، بالتوازي مع السعي إلى إلحاق ضربة قاصمة بالاقتصاد الفلسطيني.
وثانيها، وهو البعد الأكثر خطورة، فيكمن في محاولة استنساخ نموذج "شمال غزة" ونقله، وتطبيقه بوصفه حقل تجارب أمنياً في المدن الكبرى بالضفة المحتلة، لقياس مدى قابلية تنفيذ تكتيكات الحصار والقضم الميداني والتهجير السكاني، واختبار حدود رد الفعل الدولي والعربي تجاهها.
وأخيراً، كشفت شروط الانسحاب عن الصراع الصامت والموازنة الدقيقة بين ضغوط المستويات العسكرية الساعية إلى إنهاء استنزاف قدرات الجيش، ورغبة المستوى السياسي في الخروج بمظهر "المنتصر" الذي يفرض معادلات جديدة تغيّر الوضع القائم، وتثبت قواعد اشتباك جديدة لصالح أمن المستوطنين والمستوطنات.
إن عملية "زئير يهودا" وما تمخضت عنها من شروط تمثل جرس إنذار حقيقياً للكل الفلسطيني؛ فهي لم تنتهِ عملياً، بل تؤسس لمرحلة تصبح فيها البيوت والأحياء السكنية بأكملها رهينة للاقتلاع والتهجير تحت لافتة "المسوغات الإجرائية المنظمة".
إن مواجهة هذه الاستراتيجية التدميرية تتطلب وعياً وطنياً جامعاً، وتحركاً سياسياً وميدانياً عاجلاً يتجاوز بيانات الاستنكار التقليدية، بهدف التصدي لمحاولات الاستفراد بالمدن الفلسطينية واحدة تلو الأخرى، وإفشال تكتيك الإخلاء السكاني قبل أن يتحول إلى واقع مستدام ينهي الوجود الفلسطيني في مراكز المدن.
مواضيع ذات صلة
"زئير يهودا" في الخليل.. عقيدة "الإخلاء السكاني" والنموذج الأخطر لتهجير الضفة
ستون غراما.. حين يصبح الزيتون مسألة سيادة
الوجود والتعاقب الحضاري.. (الشاهد الملك)
الحرب على الذاكرة والوعي: معركة الرموز في الضفة
المسكوت عنه!
"دانييلا فايس" في مركز المشروع الصهيوني الديني
من الذي يقول إن التصويت العربي بلا فائدة؟