عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 تشرين الثاني 2026

الوجود والتعاقب الحضاري.. (الشاهد الملك)

سؤال عالماشي – موفق مطر

ثمار النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني في المحافل الدولية كثيرة، والإنجازات الدالة على صواب منهج العقلانية والواقعية السياسية الذي انتهجته القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس أبو مازن، وثبّتته خياراً استراتيجياً لتحقيق الحرية والاستقلال الوطني، واضحة لا يراها كفيف البصيرة السياسية، ولا يخفيها غرباله!

فدول العالم أقرت بالمكانة التاريخية لفلسطين، وبحق شعبها في الاستقلال وإقامة دولة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، يثبت نظامها السياسي وقوانينها سيادتها على أرضها، بما فيها القدس الشرقية، العاصمة الأبدية والتاريخية لفلسطين. وهذه المدينة أقر العالم بأنها جزء لا يتجزأ من التراث العالمي، عندما قررت "اليونسكو" – منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – إدراج القدس وأسوارها، وكنيسة المهد وطريق الحجاج في بيت لحم، وكذلك حائط البراق، باعتباره ملكاً خالصاً للفلسطينيين، استناداً إلى وثائق وقرارات للأمم المتحدة. كما أدرجت موقع أرض الزيتون والعنب، المدرجات الزراعية في قرية بتير جنوب المدينة المقدسة، وامتداداً في أرض فلسطين الزاخرة بالشواهد الثقافية والإنسانية والحضارية، وصولاً إلى مدينة الخليل الفلسطينية التاريخية، حيث الحرم الإبراهيمي وبلدتها القديمة اللذان أضيفا إلى قائمة التراث العالمي، إلى جانب أماكن كثيرة أخرى.

ولا يخفى على محب للسلام والثقافة الإنسانية ما تنطوي عليه نوايا منظومة الاحتلال وقراراتها وأعمالها من سعي إلى تهويد هذه المواقع وسلخها عن كينونتها الحضارية الأصلية. وقد نجحت دولة فلسطين في إدراج (سبسطية)، الواقعة شمال نابلس في الضفة الفلسطينية المحتلة، ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر. وتُعد سبسطية شاهداً أثرياً مادياً على تعاقب الحضارات الكنعانية والرومانية والبيزنطية والعربية لأكثر من ألفي عام، ما يعني تثبيتاً لجذور تاريخية ومزيجاً حضارياً تتكون منهما الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني. ويعني ذلك أيضاً، في تقديرنا، إقراراً عالمياً بأن الشعب الذي حافظ على معالم التراث الإنساني جادٌّ في صنع السلام، متى توفرت الحدود المنطقية للعدالة؛ والبرهان قدرته على صون الشواهد الحضارية المرتبطة بتاريخ الإنسانية وثقافاتها وحمايتها.

فتثبيت مدن وبلدات فلسطينية ومقدسات على وجه هذه الأرض يعني أن فلسطين أكبر، جوهرياً، من مجرد دولة ذات مساحة جغرافية محدودة؛ فهي عالمية بامتياز، بحكم نواتها الحضارية. لكن سرطان الاحتلال والاستيطان العنصري يتفشى بشكل متسارع منذ تولي "ائتلاف الصهيونية الدينية" الحكم، بثلاثيته: (بنيامين نتنياهو)، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم مرتبطة بحرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، وبلغت ذروتها في قطاع غزة، و(إيتمار بن غفير) و(بتسلئيل سموتريتش)، اللذين فرضت عليهما عقوبات من دول ديمقراطية عدة، ومُنعَا من دخول أراضيها. وهؤلاء يسيرون بـ"دولة الاحتلال" في الاتجاه المخالف لمنهج الحضارة والثقافة الإنسانية، ويتعارضون مع منطق مبدأ الحياة للآخر من أساسه، ويعملون على نفي وجوده بالتهجير والإبادة. ويسخّرون لتحقيق هذا الهدف كل قدراتهم المادية والدعائية، ويعتقدون أن أي شاهد ينفي ادعاءاتهم ويفندها يجب محوه عن وجه الأرض. وعلى رأس هذه الشواهد الشعب الفلسطيني، (الشاهد الملك)، الذي أثبت قدرته على تأكيد وجوده الحضاري، الآني والمستقبلي، بعقلانية قيادته ومنهجها السياسي، وبروايته غير القابلة للدحض أو النفي. فأرض وطنه غنية بما يكفي لإثبات صحة روايته الوجودية والحضارية في كل متر مربع. وهنا تتجلى ذروة الإدراك بأن وجودنا وإرثنا الحضاري المتعاقب – كما ورد في ميثاق إعلان الاستقلال – هما المستهدفان، وأن ذلك لن يتحقق إلا بإنهاء وجود الإنسان الذي يحمي هذا الإرث ويصونه، ويعتبره جزءاً لا يتجزأ من هويته الوطنية.

وللاستدلال على ذلك، نلحظ تركيز حملات منظومة الاحتلال العسكرية والاستيطانية على أهم المناطق الحضارية الفلسطينية المصنفة ضمن التراث العالمي، التي تقع معظمها في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، في القدس والخليل ونابلس. أما قطاع غزة، فقد دُفنت ثروته الحضارية تحت ركام مئات آلاف مساكن المواطنين، بعد توالي الاكتشافات الأثرية المهمة جداً، التي قد تنسف الرواية التلمودية وما تسمى "الوعود التوراتية"، المزيفة أصلاً، التي يتخذها المستعمرون الإرهابيون العنصريون مرجعاً، حتى لو كان وهمياً، بعد أن كذّبها علماء آثار إسرائيليون أنفسهم، وأقروا بأنهم لم يعثروا، خلال أكثر من مئة عام، على دليل واحد يبرهن على صحة تلك الادعاءات.

فالعالم يتغير، والشعوب تنتصر لثقافة السلام، وتمنح الشواهد الحضارية مكانة تليق بمكانة الإنسان المؤمن بقيمتها وبالقيم الإنسانية التي تمثلها. وعلينا ألا نمنح المنظومة الخارجة أصلاً عن مسار الحضارة وثقافة السلام الإنسانية ذرائع؛ فهذه تسير بسرعة فائقة نحو الاصطدام بها! لكن يقيننا يوحي لنا بأنها ستخرج وحدها عن سكة الإنسانية، فالأصل أن الحق ثابت أبداً.