عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 02 تشرين الثاني 2026

مشاهد ما بعد الانسحاب من حيّي الجلدة ودير بحة بالخليل.. خراب ودمار وسرقات للبيوت والمنشآت

دموع واحتضان وسجود شكراً لله تعالى بعد عودة النازحين لمنازلهم

** وفد أممي يزور الحيين ويطلع على حجم الأضرار وتداعيات العملية العدوانية

** بدء توثيق الخسائر تمهيداً لمتابعتها إدارياً وقانونياً 

الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي- عاد الهدوء والاستقرار إلى حيي الجلدة وعين دير بحة في مدينة الخليل، عقب انسحاب قوات الاحتلال منهما، بعد 11 يوماً من الحصار المشدد والعمليات العسكرية العدوانية التي طالت السكان ومنازلهم وممتلكاتهم، وأدت إلى نزوح الآلاف من العائلات قسراً إلى خارج حييهما.

ومع انسحاب قوات الاحتلال في ساعات الصباح الأولى اليوم الاثنين، وتدفق النازحين إلى بيوتهم، بدأت تتكشف آثار العدوان، وحجم الأضرار التي خلفتها العملية العسكرية على مدار الأيام الماضية، ليصحو الحيين على خراب ودمار داخل المنشآت والمباني المختلفة، وسرقة أموال ومقتنيات منها.

مع خروج آخر آلية عسكرية احتلالية من الحيين، بقي المشهد القاسي الذي عاشه سكانهما ماثلاً بعدما تكشف حجم الأضرار والخسائر التي خلفتها العملية العسكرية، من اقتحامات وتفتيش وعبث بمحتويات المنازل والممتلكات.

ففي دير بحة أطلت أنقاض منزلي الشهيدين أحمد وحمود الجعبة، اللذين فجرتهما قوات الاحتلال بالكامل، على مشهد الدمار الذي حل بالمنطقة، فيما بدت آثار الاقتحامات واضحة في العديد من المنازل التي تعرضت أبوابها للتكسير، بالإضافة إلى تحطيم وتخريب في الأثاث والمحتويات، والعبث بمحتوياتها، فضلاً عن عمليات سرقة ونهب للأموال والمقتنيات.

وفي شهادة لجانب من معاناة السكان، قال المختار حجازي شاور التميمي، الذي قاد تحركات شعبية لأبناء الحيين للمطالبة برفع الحصار وعودة النازحين، إنهم فوجئوا لدى عودتهم بحجم الخراب والتكسير والتحطيم والأضرار التي حلت في بيوتهم ومنشآتهم جراء العملية العسكرية العدوانية لقوات الاحتلال، وما شمل ذلك من تخريب في الأثاث والمحتويات وسرقة الأموال والوثائق الخاصة.  

وأضاف أن مشاهد العبث بمحتويات المنزل طالت مجسماً لقبة الصخرة مصنوعا من الخزف، جرى تحطيمه، مّا يعكس –على حد وصفه- حجم الانتقام  بكل ما هو فلسطيني.

أما عبيدة مجاهد، صاحب شركة إنتاج تصويري، يكشف حجم الخراب الذي طال شركته، حيث وجدها وقد تعرضت لعملية تخريب واسعة، شملت تكسير الأبواب والديكورات الداخلية وتدمير الأثاث والمعدات، إلى جانب سرقة كاميرات وحواسيب وأجهزة تصوير، مقدراً خسائره، جراء هذا العدوان، أنها تصل إلى نحو 100 ألف شيكل.

وأشار مجاهد إلى أن قوات الاحتلال تركت داخل الشركة، التي حولتها لثكنة عسكرية، كميات من النفايات والمخلفات، في صورة تعكس حجم العبث والانتقام الذي طال المنشآت الخاصة وممتلكات المواطنين خلال العملية العسكرية.

عقب انسحاب قوات الاحتلال من الحيين والمناطق المحاصرة، باشرت الشرطة انتشارها في أحياء الجلدة ودير بحة، بالتوازي مع وصول وحدة هندسة المتفجرات إلى المواقع المتضررة، وذلك لمعاينة الأماكن التي تعرضت للتفجير، وفحص أي أجسام مشبوهة أو مخلفات متفجرة قد تشكل خطراً على حياة المواطنين.  

ودعا مدير شرطة محافظة الخليل العميد ناصر ابوحناني، المواطنين، منذ اللحظات الأولى لانسحاب قوات الاحتلال، إلى توخي الحيطة والحذر وعدم الاقتراب من أي جسم مشبوه أو العبث به أو محاولة تحريكه، مؤكدا جاهزية الطواقم الشرطية والفنية للتعامل مع لبلاغات وتقديم المساعدة اللازمة.

وفي إطار التدابير الاحترازية، انتشرت طواقم الدفاع المدني في المنطقة، من اجل متابعة الأوضاع الميدانية والتعامل مع المخاطر المحتملة، خاصة في المباني والمنشآت التي احتلتها واستخدمتها قوات الاحتلال خلال العملية العسكرية.

وأهابت الطواقم بالمواطنين عدم الاقتراب من بعض المنشآت والمباني والمساكن التي انسحبت منها قوات الاحتلال، تحسباً من أي وجود أجسام مشبوهة تؤدي إلى أضرار في حياتهم.

وفي سياق الجهود الأمنية والإغاثية، دفعت بلدية الخليل بآلياتها ومركباتها وجرافاتها إلى الحيين، من اجل العمل على فتح الطرق الداخلية والفرعية التي أغلقتها قوات الاحتلال، وإزالة المخلفات والعوائق التي سببتها العملية العسكرية، وتسهيل وصول المواطنين غلى أحيائهم ومنازلهم، إلى جانب العمل على استعادة الخدمات الأساسية.

وأكد رئيس بلدية الخليل م. يوسف الجعبري أن البلدية حرصت، منذ الدقائق الأولى للانسحاب، على التواجد في الاحياء التي كانت مستهدفة، وتسخير آلياتها وطواقمها في خدمة الأهالي والسكان العائدين إلى بيوتهم، والعمل على إزالة العراقيل التي تعترض عودتهم.

وأوضح أنه أوعز إلى الطواقم المختلفة للبلدية من أجل استعادة الخدمات الأساسية والحياة الطبيعية للسكان، بالإضافة إلى مساعدة النازحين في الوصول إلى منازلهم، وتفقد الأضرار التي لحقت بمنشآتهم.

كان مشهد تدفق الأهالي النازحين نحو منازلهم التي تركوها قسراً، من أكثر المشاهد حضوراً، وتأثيراً، في ساعات ما بعد الانسحاب، وسط دموع اختلطت فيها مشاعر الحزن والاشتياق مع مشاعر الفرح، بعد أيام ثقيلة من التهجير القسري والقلق على مصيرهم وبيوتهم وممتلكاتهم.

ومنذ اللحظات الأولى عاد صخب الحياة إلى الحيين، واكتظت شوارعهما بحركة السيارات، وبدآ يستعيدان نشاطهما المعهود، وسط اجواء من الابتهاج بالعودة، فيما لم تتمالك إحدى النازحات دموعها لحظة دخولها فناء منزلها، وسجد آخر شكراً لله تعالى أمام منزله، وتعانق آخرون في مشهد اختزل مشاعر آلاف العائدين إلى بيوتهم لحظة اللقاء.

ورغم مشاهد الخراب والدمار أكد الأهالي تمسكهم بمنازلهم وأحيائهم، وإصرارهم على الصمود والبقاء في أرضهم، ورفض الاقتلاع والتهجير مهما بلغت التضحيات، حملوا مع عودتهم مشاعر الامتنان لكل من وقف إلى جانبهم وساندهم طيلة فترة النزوح، من مؤسسات وعائلات وأقارب.

وعكست منشورات الأهالي على مواقع التواصل الاجتماعي حجم هذه المشاعر، حيث كتب المواطن نصر الحسيني، أحد سكان حي الجلدة: "بعد عشرة أيام من الحصار والشدة، نعود لنستنشق هواء الحرية ف خليلنا الحبيبة. الشكر لكل من ساندنا ووقف إلى جانبنا في هذه المحنة، فانتم عزوتنا وسبب قوتنا".

أما آية القواسمي، فكتبت "بعد 10 أيام من الحصار رجعنا إلى مدارسنا وشغلنا. شكراً لكل من سأل عن حالنا. في اوقت الشدة يظهر الأحباب. ظهر التكافل الاجتماعي الصادق.. فهذه هي الخليل وها هم رجالها وسيداتها". 

واختصر نسيم سلطان مشاعر العودة بعبارة :"الحمد لله عدنا والعود أحمد".

ولم تقتصر مظاهر الفرح على العائدين إلى بيوتهم بل امتدت إلى مختلف أحياء المدينة، حيث توافد المئات من أبناء المدينة إلى الأحياء التي كانت محاصرة، يساندون أهلهم وأقاربهم وأصدقاءهم، في مشهد آخر ترك أثراً واضحاً لحالة التضامن والتكافل الاجتماعي في مواجهات تداعيات العدوان.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبر أبناء المدينة عن ارتياحهم بإنتهاء العدوان الاحتلالي داخل حيي الجلدة ودير بحة ورفع الحصار عنهما، ووجهوا رسائل تهنئة للنازحين الذين استعادوا منازلهم.

وفي هذا الصدد كتبت سماح أبوزينة: "الحمد لله على سلامة أهلنا في دير بحة والجلدة ومحيط جامعة القدس المفتوحة، وكل من تشرد من بيته قهراً".

أما لبنى ابوتركي، فعبرت عن المشهد بقولها: "البلاد طلبت أهلها والبيوت اشتاقت لأصحابها. الحمد لله على سلامة الجميع، وحفظ الله الخليل وأهلها".

فيما أعربت ميسون القواسمي عن أملها ان تبقى بيوت العائدين عامرة بالأمان والاستقرار، مؤكداً أن أهالي الخليل أثبتوا مجدداً أنهم يد واحدة في أوقات الشدة والأزمات.     

وكان محافظ الخليل خالد دودين، أعلن عن انسحاب قوات الاحتلال من احياء الجلدة ودير بحة والمناطق المحيطة التي اقتحمتها، بعد حصار دام 11 يوماً، مؤكداً أن العائلات بات بإمكانها العودة إلى بيوتها، بعدما تولت الجهات المختصة متابعة الاوضاع الميدانية.

وأشار المحافظ إلى أن أكثر من 500 عائلة عادت إلى منازلها، وعادت الحياة الطبيعية إلى المدينة بعدما انتظم الطلاب والعاملون والموظفون في مدارسهم وجامعاتهم واماكن عملهم.

وعلى صعيد الخسائر، أوضح المحافظ أن الجهات المعنية باشرت بمتابعة الأضرار التي لحقت بالممتلكات والمنشآت والبنى المختلفة جراء العدوان، وأنه تم تشكيل لجنة خاصة لحصر الخسائر وتوثيقها بشكل رسمي، في مختلف المرافق والمنشآت بما فيها الاقتصادية.

من جهته، وصف رئيس بلدية الخليل الجعبري الخراب الذي طال الأحياء المستهدفة، عقب معاينات أولية، بأنه "كبير جداً"، وأن عمليات الاقتحام والتفتيش التي اتسمت بالعشوائية، شملت عمليات تخريب في محتويات المنازل، وتحويل عدد منها إلى ثكنات عسكرية ومراكز للتحقيق والاستجواب الميداني، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالمحلات التجارية في تلك المناطق.

وأشار الجعبري إلى أن البلدية شرعت بوضع خطة للتعافي من آثار العملية وتداعياتها. وقال إن البلدية تأكدت من عودة 535 عائلة إلى بيوتها، وأن الحياة بدأت تستعيد مسارها الطبيعي في المدينة بعد أيام من الحصار الذي أثر على مختلف مناحي الحياة.

وفي سياق التحرك للاطلاع على تداعيات العملية والحصار، أطلع محافظ الخليل دودين وفداً أممياً رفيع المستوى، برئاسة "دينكسو تاي" من مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة، على حجم الأضرار التي خلفتها العملية العسكرية الاحتلالية، وذلك خلال جولة ميدانية في منطقة الجلدة ودير بحة بمدينة الخليل.

وقال المحافظ، خلال إطلاع أعضاء الوفد بأم أعينهم على الواقع الصعب والسيء الذي خلفه عدوان الاحتلال في منازل المواطنين ومحالهم التجارية والبنية التحتية، إنّ هذه الزيارة تأتي في إطار الجهود المشتركة لتقييم الاحتياجات الإنسانية وتعزيز التنسيق بين الجهات المحلية والدولية لمواجهة تداعيات الوضع الراهن في المحافظة، وتقييم الاحتياجات الإنسانية جرّاء الحصار الذي فرضه الاحتلال وأجبر السكان على إخلاء منازلهم والنزوح القسري، في إطار سياسة العقاب الجماعي التي انعكست على الواقع الإنساني والمعيشي في المدينة.

وكان الوفد ضم ممثلين عن برنامج الغذاء العالمي (WFP)، ومكتب الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، ومكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة (RCO)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين (UNRWA) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).

وبينما بدأت العائلات بتفقد منازلها وممتلكاتها، وانتقال جهود الإغاثة إلى مرحلة أكثر تفصيلا، بما يشمل حصر الأضرار وتوثيقها، أكدت لجنة المساندة والإغاثة في محافظة الخليل أن الأولوية في المرحلة المقبلة تتمثل في إسناد هذه العائلات، والوقوف على احتياجاتها، والإعداد للتوجه إلى الجهات القضائية المختصة.

وفي هذا الإطار، تقرر تشكيل لجنة ميدانية متخصصة لحصر الأضرار والخسائر التي لحقت بمنازل المواطنين، والممتلكات العامة والخاصة، إلى جانب توثيق الانتهاكات، تمهيداً لمتابعتها على الشقين القانوني والإداري.

وبهذا، تكون الخليل قد طوت صفحة من الخراب، وبدأت صفحة أخرى عنوانها استعادة تفاصيل الحياة التي توقفت قسراً؛ ليبقى المشهد الأكثر حضوراً في حكاية الشعب الفلسطيني أنّ النزوح والتهجير، على أي مستوى كان، لن يكون السطر الأخير فيها مهما بلغت التضحيات وتعاظمت النكبات!.