حفلة مدرسية
سما حسن
لم أكره في حياتي مناسبة أو احتفالا مثلما كرهت احتفالات تكريم الطلبة الاوائل في المدرسة الابتدائية وذلك لأن الطالبة الأولى في فصلي تكون دائمة هي ابنة المعلمة في المدرسة وحيث أنها تحصل على الترتيب الاول المسبق قبل ظهور النتائج فكان يوم توزيع الجوائز واقامة حفل التكريم في المدرسة هو من أكثر الأيام قسوة على قلبي الصغير لأني كنت أحصل على الترتيب الثاني مهما اجتهدت وتعبت ولكنها في النهاية ابنة المعلمة.
عادت الذكرى السيئة هذا العام بقسوة إلى قلبي حين قررت ادارة المدرسة أن تقيم حفل تكريم للطالبات الأوائل في مدرسة ابنتي وابلغتني ابنتي أنها سوف تتغيب عن المدرسة في ذلك اليوم فقلبها الصغير لن يحتمل أن تحصل الطالبة التي كانت تضع عينها في دفاترها وأوراق امتحاناتها على الترتيب الأول فيما تحصل ابنتي على الترتيب الثاني وهكذا فهي تشعر بالظلم والجور وتتساءل عن العدالة في الحياة ولكني طلبت منها أن تنتظر النهايات لأن الصعود على اكتاف الآخرين لا يستمر طويلا.
مدارس "الاونروا" بدورها لم تنس اقامة احتفالات لتكريم الطلبة الأوائل وذلك على حساب أولياء الأمور وجمع التبرعات منهم وكذلك من صندوق المدرسة وأقيمت بعض تلك الاحتفالات في قاعات الأفراح المؤجرة وتم دعوة أولياء الأمور الذين غالبا ما تكتشف ان معظمهم من الأثرياء وذوي المكانات العالية في المجتمع لأن تفوق أولادهم الصغار سحب الأموال من جيوبهم طواعية لاقامة هذه الحفلات والتقاط الصور التذكارية وتسجيل لقطات التكريم من خلال أشرطة الفيديو وبواسطة كاميرات الهواتف المحمولة وتم توزيع الهدايا والجوائز على المتفوقين والعصائر والبسكويت على المدعوين.
تساءلت بيني وبين نفسي عن مشاعر التلاميذ الصغار الذين لم يحصلوا على المراتب الأولى وتساءلت أيضا هل كان هؤلاء الاباء سيقدمون على التبرع بهذه المبالغ لو طلبت منهم ادارة المدرسة كسوة الشتاء للتلاميذ الفقراء أو التبرع لاصلاح بيت تلميذ فقير تغيب لعدة ايام عن المدرسة بسبب غرق حقيبته المدرسية بما فيها من كتب ودفاتر بماء المطر في بيته المسقوف بالزينكو المثقوب بثقوب واسعة.
لست أنكر على المتفوق حقه في التكريم ان كان قد حصل على التفوق بجدارة ولكني انكر على من يكرمه حرصه على الظهور أمام الكاميرات ووسائل الاعلام وهو بامكانه ان يعلم طفله درسا في الايثار وحب العطاء لو قام بتوزيع هدايا رمزية صغيرة على باقي تلاميذ صف ابنه المتفوق لكي يشحذ همهم ويرضي نفوسهم التي تتعلق باللفافات ذات الورق الملون والمفضض والتي يحملها الطلبة الأوائل إلى بيوتهم ويحلمون لو حملوا مثلها ولكن تكرار الحفل ذاته بالطلبة انفسهم الذين يترفعون بالتقديرات نفسها إلى صفوف جديدة تجعل هؤلاء التلاميذ يتراجعون عاما بعد عام ويكرهون يوم الحفلة المدرسية كما كرهتها أنا.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل