عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 أيلول 2026

من "عصابات المسارح" إلى "جيوش فيسبوك"

منير أبو رزق

في مطلع القرن الثامن عشر، شهدت بعض المسارح الأوروبية ظهور مهنة غريبة لا علاقة لها بالفن بقدر ما لها علاقة بالابتزاز؛ جماعات منظمة تدخل قاعات العرض لا لتستمتع بما يُقدَّم على الخشبة، وإنما لتصنع نجاح العرض أو فشله. يصفقون إذا دُفع لهم، ويصفرون إذا لم يُدفع، وكان شعارهم: «ادفع لنا كي نضمن لك التصفيق، وإلا جعلنا من مسرحك جنازة».

مرت القرون، وتغيرت المسارح، واختفت تلك الجماعات من مقاعد الجمهور، لكن يبدو أن المهنة نفسها وجدت لنفسها مسرحاً جديداً أكثر اتساعاً وأقل كلفة.

على شبكات التواصل الاجتماعي، «فيسبوك وأخواتها»، لم يعد المصفق بحاجة إلى تذكرة، ولا إلى الجلوس في الصفوف الأولى. يكفيه حساب، وهاتف، وبعض الوقت، وأحياناً جهة تدفع أو توجه أو تفتح له الباب. وهكذا انتقل المصفق المأجور من مقعد المسرح إلى خلف الشاشة.

في الحياة السياسية، يمكن لصناعة الوهم أن تكون أحياناً أهم من صناعة الحقيقة. فالمستخدم العادي يدخل إلى منصات التواصل وهو لا يعرف بالضرورة ما الذي حدث فعلاً، ولا يملك الوقت أو الأدوات للتحقق من كل رواية. وفي هذه المساحة الرمادية تظهر الجيوش الرقمية لتقدم له الحقيقة جاهزة ومعلبة: هذا وطني، وهذا خائن... هذا منقذ، وهذا فاسد، هذا يحظى بالشعبية، وذاك لا قيمة له.

آلاف الإعجابات، ومئات التعليقات المتشابهة، ومشاركات متلاحقة، وحسابات تظهر فجأة لتردد الرسالة ذاتها، يمكنها أن تصنع انطباعاً يبدو في ظاهره شعبياً، بينما هو في الحقيقة مجرد صدى منظم لصوت واحد، يستغل حقيقة أن الإنسان يميل بطبيعته إلى الثقة بما يبدو عليه الإجماع.

فحين يرى منشوراً عليه آلاف الإعجابات، وعشرات التعليقات التي تمجد صاحبه، قد يظن أن خلف الشاشة جمهوراً هائلاً مقتنعاً، فينضم إلى الموجة. وهنا تصبح «الترندات» أشبه بمقاعد الجمهور في ذلك المسرح القديم.

لكن الوجه الآخر للعبة أكثر خطورة؛ فكما يستطيع المصفقون صناعة بطل، يستطيعون إعدام آخر أيضاً. فمن حملات التشويه، والشتائم المنظمة، والتعليقات المسيئة، والسخرية المتعمدة، وتكثيف البلاغات ضد الحسابات المخالفة، يمكن أن تتحول هذه الممارسات إلى أدوات للقتل المعنوي والإقصاء الرقمي. والهدف ليس بالضرورة إقناع الناس بأن الخصم مخطئ، بل إرهاقه وإخافته ودفعه إلى الصمت.

وهكذا لم يعد السؤال في إعلام اليوم: من يملك الحجة الأقوى؟ بل يصبح: من يملك عدداً أكبر من المصفقين؟ وهذه من أخطر التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل في المجال العام؛ إذ أصبح بالإمكان أن تتحول الكثرة الرقمية إلى بديل عن الحقيقة، وأن يصبح ارتفاع الضجيج دليلاً زائفاً على ارتفاع الشعبية.

في تلك اللحظة، قد يصبح السياسي أسيراً لجمهوره المصطنع، ويصبح الجمهور أسيراً لوهم الشعبية، ويصبح الجميع جزءاً من لعبة لا يعرفون من يديرها.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإعلام ليس أن يكذب الصحفي، بل أن يصبح الكذب قادراً على أن يبدو كأنه إجماع شعبي. هنا تحديداً تظهر أهمية الإعلام المهني المسؤول؛ فالصحافة التي تلتزم بأخلاقيات المهنة، وتفصل الخبر عن الرأي، وتضع الادعاءات أمام الحقائق، لا يمكن أن تنزلق لمنافسة «جيوش فيسبوك» في عدد الإعجابات، بل تؤدي وظيفة مختلفة تماماً، وهي أن تمنع التصفيق من أن يصبح دليلاً، وأن تمنع الضجيج من أن يصبح حقيقة.

لقد تغير المسرح... وتغيرت أدوات التصفيق، لكن اللعبة، على ما يبدو، لم تتغير كثيراً؛ ففي الأمس كان هناك من يدفع لجماعة كي تصفق له داخل قاعة، واليوم هناك من يدفع، أو يحشد، أو يوجه جماعة كي تصفق له أمام ملايين الشاشات. والفارق الوحيد أن التصفيق القديم كان يُسمع في قاعة. أما التصفيق الجديد، فقد يصل إلى هاتفك قبل أن تصل إليك الحقيقة.