السلم الأهلي... شرط الصمود في زمن الحرب والاستحقاقات الوطنية
د. رمزي عودة

في زمن الحرب، لا تُقاس قدرة الشعوب فقط على الصمود، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية جبهتها الداخلية من التفكك والانقسام. وهذا ينطبق بصورة خاصة على الحالة الفلسطينية، حيث تتعرض المدن والقرى والمخيمات لعدوان متواصل من قوات الاحتلال والمستوطنين، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المجتمع الفلسطيني.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح تعزيز السلم الأهلي جزءاً من معركة الصمود الوطني، وليس قضية اجتماعية منفصلة عن مواجهة الاحتلال. فالمجتمع الذي يريد أن يصمد في وجه عدوان خارجي طويل الأمد يحتاج إلى درجة عالية من التماسك الداخلي، وإلى مؤسسات قادرة على توفير الأمن والاستقرار، وإلى ثقافة سياسية واجتماعية تمنع الخلافات من التحول إلى صراعات تستنزف مقدرات المجتمع من الداخل.
وهنا تبرز مسؤولية السلطة الوطنية والمجتمع معاً. فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة الرسمية وحدها، كما أن الحفاظ على السلم الأهلي ليس مهمة القوى الاجتماعية والعشائرية والدينية وحدها. المطلوب هو شراكة وطنية حقيقية تتكامل فيها أدوار المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والمجتمعية والدينية والعشائرية، ضمن مرجعية واضحة قوامها القانون والمواطنة والمصلحة الوطنية.
ولا يمكن لهذه الشراكة أن تنجح دون ترسيخ سيادة القانون باعتبارها القاعدة التي تحكم علاقة المواطن بالمؤسسة، وعلاقة المواطنين بعضهم ببعض. فكلما ضعفت الثقة بالقانون، توسعت مساحة اللجوء إلى الحلول الفردية والعشائرية، وأصبح من السهل أن تتطور الخلافات الشخصية إلى نزاعات اجتماعية أوسع.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية الدور العشائري والاجتماعي في معالجة النزاعات، فهو جزء أصيل من النسيج الفلسطيني، وإنما يعني ضرورة مأسسة جهود الإصلاح وتنظيمها، بحيث تكون مساندة للقانون وليست بديلاً عنه. ومن المهم التفكير في أطر تشاورية ومؤسساتية تضم ممثلين عن مختلف مكونات المجتمع، بحيث تستطيع القيام بالتدخل الوقائي والمبكر في النزاعات، والعمل على احتوائها قبل تفاقمها وتحولها إلى أزمات يصعب السيطرة عليها.
في الواقع، فإن الخطر الأكبر يكمن عندما يجري تحميل الخلافات الشخصية أو العائلية أبعاداً طائفية أو فئوية. فالمجتمع الفلسطيني، بمسلميه ومسيحييه، وبمختلف عائلاته ومناطقه وفئاته، هو مجتمع واحد ومتماسك في مواجهة تحديات مشتركة، أهمها الاحتلال. وأي محاولة لإضفاء طابع ديني أو طائفي على نزاع شخصي لا تؤدي إلا إلى إضعاف النسيج الوطني وإثارة حساسيات لا تخدم سوى من يريد إضعاف المجتمع من الداخل.
إن تماسك النسيج الوطني والاجتماعي بين المسلمين والمسيحيين ليس مجرد قيمة أخلاقية أو خطاب موسمي، إنما هو حقيقة تاريخية واجتماعية، وركيزة أساسية من ركائز الصمود الفلسطيني؛ لذلك، فإن حماية هذا التماسك شرط ضروري لتحقيق التوافق بين مختلف مكونات المجتمع، وهذا بدوره يتطلب خطاباً مسؤولاً من المرجعيات الدينية والوطنية، يرفض التحريض والفئوية، ويؤكد أن الاختلاف في الدين أو الانتماء الاجتماعي لا ينتقص من مفهوم المواطنة، ولا من الشراكة في الوطن والمصير.
من جانب آخر، فإن تعزيز السلم الأهلي يجب أن يترافق مع تطوير بنية المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، بما يعزز ثقافة المواطنة وسيادة القانون وقيم التسامح وقبول الآخر والاعتدال. فبناء السلم الأهلي لا يبدأ فقط عند وقوع النزاع، وإنما يبدأ من المدرسة والجامعة، ومن الطريقة التي يتعلم فيها الجيل الجديد معنى الاختلاف واحترام الآخر والاحتكام إلى القانون.
وفي الواقع، فإن السلم الأهلي لا يُبنى فقط على منع النزاعات، بل يحتاج أيضاً إلى العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. فالمجتمع الذي تشعر فيه فئات معينة بأنها أقل حظاً في الحقوق أو الفرص يكون أكثر عرضة للتوتر والاحتقان. ومن هنا تبرز ضرورة مراعاة احتياجات الفئات المهمشة والأقل حظاً، بما في ذلك اللاجئون وسكان المناطق المصنفة «ج»، والمكونات الاجتماعية والدينية المختلفة، بما يعزز الإحساس بالمواطنة المتساوية والانتماء المشترك.
وتزداد أهمية هذه القضايا مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. فالانتخابات فرصة لتجديد الحياة السياسية وتعزيز المشاركة الشعبية، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تتحول إلى مصدر للتوتر والانقسامات إذا لم تُحَصَّن العملية الانتخابية بثقافة وطنية قادرة على إدارة الاختلاف.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على القوى السياسية والمرشحين والمرجعيات الاجتماعية والدينية في ضبط الخطاب الانتخابي ومنع التحريض، كما تقع مسؤولية على السلطة الوطنية في توفير البيئة القانونية والأمنية المناسبة، وعلى المجتمع في رفض كل خطاب يدفع نحو الاستقطاب أو يضع الانتماء العائلي أو الفئوي فوق الانتماء الوطني.
إن الانتخابات القادمة لن تكون اختباراً للعملية الديمقراطية فقط، وإنما ستكون أيضاً اختباراً لقدرة المجتمع الفلسطيني على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى انقسام.
وفي ظل العدوان الذي يمارسه الاحتلال والمستوطنون ضد الشعب الفلسطيني، يصبح هذا الاختبار أكثر حساسية. فالاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستفيد من كل حالة انقسام أو فوضى أو توتر داخلي. ولذلك، فإن حماية السلم الأهلي تعني، في أحد وجوهها، حرمان الاحتلال من فرصة استنزاف المجتمع من داخله.
إن الصمود الوطني لا يحتاج فقط إلى القوة الأمنية أو السياسية، وإنما يحتاج إلى مجتمع يشعر بالأمان والعدالة والانتماء، وإلى مواطن يثق بأن القانون يحميه، وإلى مؤسسات تستمع إلى الناس وتستجيب لاحتياجاتهم، وإلى مرجعيات اجتماعية ودينية تعمل على التهدئة لا على تأجيج الخلافات.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الحديث عن السلم الأهلي باعتباره شعاراً عاماً إلى سياسات عملية ومؤسسات وآليات واضحة. نحتاج إلى تعزيز سيادة القانون، وتطوير منظومة الإصلاح، وتوسيع الحوار المجتمعي، ومعالجة أسباب النزاعات قبل تفاقمها، وترسيخ ثقافة المواطنة، ومواجهة كل أشكال الطائفية والفئوية والتحريض.
إن الشراكة بين السلطة والمجتمع في هذه المرحلة الحساسة ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية. فالسلطة تحتاج إلى المجتمع لكسب ثقته ومساندته، والمجتمع يحتاج إلى مؤسسات قوية وقادرة على توفير الأمن والاستقرار. وبين الطرفين تقوم مسؤولية مشتركة عنوانها حماية وحدة المجتمع وتعزيز قدرته على الصمود.
وفي النهاية، فإن أقوى جبهة يمكن أن يبنيها الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال هي جبهة داخلية متماسكة. وكل خلاف فيها يُحل بالقانون والحوار هو تعزيز للصمود، وكل نزاع فيها يُمنع من التحول إلى فتنة هو حماية للوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي، وكل ممارسة تعزز المواطنة والعدالة فيها هي استثمار في قدرة المجتمع على البقاء.
فالسلم الأهلي ليس نتيجة للصمود؛ بل هو أحد شروطه. وحماية وحدة المجتمع الفلسطيني اليوم ليست شأناً داخلياً فحسب، وإنما جزء أصيل من معركة حماية المشروع الوطني في مواجهة الاحتلال.
مواضيع ذات صلة
.. طيّ بركة البيت!
الضفة الغربية.. ماذا يكشف تزامن الأحداث؟
المستوطنون وحكومتهم ورثة الإرهاب والمجازر
استطلاعات الرأي ومدى التحكم بنتائجها
السلم الأهلي... شرط الصمود في زمن الحرب والاستحقاقات الوطنية
سموتريتش يهيئ لجريمة حرب في الجليل والنقب
قسم أبحاث الزيتون.. هندسة المعاصر والحد من الفاقد والأكسدة (6 من 10)