.. طيّ بركة البيت!
تغريدة الصباح – حسن حميد

قلت للرجل العجوز الذي أنسن لي الحياة، وأبداها لي جميلة محتملة، رغم وعورتها، وجفافها، وأشواكها، وأوجاعها الثقيلة: إنني أعيش بائعاً لأيام حياتي من أجل أن أرى البيت، بيت جدي الذي ورثه عن جده السابع والتسعين، بيت الدار أم الحجارة السود التي يصير لونها في النهار أزرق يضيء، وفي الليل يصير اللون تلة فحم يضيء، وبيت دار الشجرتين الخرافيتين في الهيئة، والحجم؛ الأولى: شجرة التوت التي تهر حباتها عند الفجر تماماً، فتقرع بابه، كي يغادر نعاسه، ويعلن أن النهار بدأ، والثانية: شجرة الخروب التي تبدو بحجم قلعة تحرسها قرونها السود التي امتصت لون خضرة الخروبة كلها حتى غدت سوداء لها لمعة هادئة، وحلاوة ضاجة!
أبيع أيام حياتي يوماً يوماً، من أجل أن أصل إلى أول الطريق المؤدي إلى البيت، والذي أعرفه، لكن النهار وبكل ما فيه من شغب الأخبار، وضجيج الأنفاس، يضيّع علي لحظة التأكد من معرفتي للطريق، عفواً، لحظة إبصاري للطريق! والليل، آه من الليل، هو الآخر، وبكل ما فيه من هدوء، وسكينة، يضيّع علي لحظة إبصاري للطريق وهو يهمس في أذني: ها أنذا، ها أنذا!
قال العجوز: أنت تتلهى بالسؤال عن البيت، عليك أن ترتمي فيه، أن تمرغ وجهك بحيطانه، ونوافذه، وأبوابه، ونباتاته، وأن تغسل، إن استطعت، وجهك بمائه، وتزيل قذى عينيك، وتقشط تعب قدميك، وتعيد لأنفك عافية الشم، ألا تعرف البيت، بيتك، من الرائحة؟ ألا تعرف البيت من لمسة واحدة، من أصابعك لحجارته أو خشبه، ألا تحس قدماك براحة أكثر وأنت تسير في الطريق إلى البيت، وتقترب منه؟ قلت: أنا أسأل، كي أرشد نفسي بدقة أكثر إلى الطريق، وأسأل كي أرافقها بالحراسة التامة، وأسأل كي أستأنس بها، وكي تظل الذاكرة حية، وأسأل كي لا أقول انتهت الأجوبة، أو انتصرت!
قال العجوز: بع كل شيء تملكه، ودع كل ما يناديك، وصم أذنيك عن كل نداء، واملأ ساقيك بالخطا الجديدة، كيما تمشي في طريقك، وهو طويل، وفيه شوك كثير، وتعب كثير، وأحزان كثيرة، وكلام كله أخلاط! ولكن أين هما ذراعاك، هيا، شرعهما، وأبعد كل ما تراه أمامك من سواتر وحواجب، أبعدها واجعل رحمة قلبك قوية مثل شجاعة نادرة، وأكثر! واعلم أنك بعد هذا الوقت الطويل الذي مرّ، سترى ما لا كنت تظنه أو تفكر به، سترى تراباً ليس هو بتراب، وأشجاراً ليست هي بأشجار، وتسمع نداءات خافتة وعالية ليست هي بالنداءات، وسيصير جسدك جلداً غربالياً، كله ثقوب لشوق حلمت به، وسيصير عقلك طاحوناً، يرج حجرها الهادر الدنيا بكل وديانها، وأنهارها، وصحاريها، وبحارها.. كيما تنفجر عيناك بالرؤيا التي حبرتها، ورسمتها، ونقشتها، وناديتها وجاهرت بها، وسيلفك ضباب عميم، ودوائر لمتاهات عمياء، وسيلاقيك ماء لا صفاء فيه، ولا بارقة تلمع! عندئذ، لك أن تنفق كل قوتك لتبصر، فلا عودة إلا للمبصرين، أما من أعماهم العمى، فلن يعودوا، لن يعرفوا نعمة الطريق، ولا جمال الطريق، ولا أعشاب الطريق، ولا طيور الطريق، ولا سواقي الطريق، ولا النساء/ الصبايا، لابسات الأثواب الزاهية صاحبات الوجوه القمرية اللواتي يجالسن السواقي التي تغني لهن الأغنية التي منحت طيور الأوز بياضها الإلهي، وأعناقها الطويلة، وهن يمشطن شعرهن بالأصابع البليلة بالضوء والحذق! وهنا قف، وقل لا بد من الطريق، لأن الطريق هو أنت، وهو الدائرة التي كنت فيها تدور، وتقف، وتمشي، وعليك أن تجعل الدائرة خطا مستقيماً، عليك أن تعرف النقطة الأولى في الدائرة، كي تفتكها من دائريتها، لتعيدها إلى الاستقامة، لتصير هي الطريق بعد تعديله، وانتبه، لأن النقطة الأولى في الدائرة تحتاج إلى الوعي بالنار، فلا افتكاك إلا بالحرق، عندئذ خذ نفساً عميقاً، وافتك تلك النقطة افتكاكا، وإياك أن تبددها، وتهملها، وبها دفعاً، مدّ دربك ليصير في استقامة أعواد الزل، وحاذر من الميلان، وامض كي تصل النقطة الأخيرة من الدائرة، لحظتئذ امحوها، وسوف ترى حالا.. البيت، وسترى العتبات، والمصاطب، والطابون، والتبان، والبئر، والحبل الثخين، ودلو النحاس، والحجارة التي صارت درجاً من علو يمكنك من انتشال الماء، وسترى الأعشاب، ومشاتل النعناع والحبق والزنبق، والدجاج السارح، وطيور البط العابثة بماء الساقية، وارهف السمع جيداً لتسمع ما تقوله الأشجار العوالي، وأشجار الرمان، وأشجار الورد التي اكتفت بقامات قصيرة كي تبقى روائحها، هنا، للأرض قبل أن تتخطفها الرياح، ولتسمع، وترى، وتحس بترحيب طيور الحمام التي ستراها جمالاً يتنفس هواء خفيفاً كي تقوى على الحركة والإيحاء!
ارهف السمع ، قدر استطاعتك لتسمع ما يقوله سياج التوت البري: إن الحياة شوك وتوت! وإياك أن تطل من فوق فوهة البئر لترى الصارخين المنادين، إياك، انسَ، إنهم أحياء، لأنهم ملهاة.. لهم اليوم حياتهم، مثلما لك اليوم حياتك.
تفقّد نباتات اليقطين في الحاكورة، واسألها كم عاشت مثلك، من غياب، وقد كانت المواسم تروح وتجيء تترى، وقل لها: أنا ممرور، لأن الحزن لواك! وارفع بصرك إلى الأعلى، كي يرتطم بمملكة الطيور المحومات، وأبراجها الهوائية، لترى ما لم تر من أفعال الطيور، وتسمع ما لم تسمع مما تقوله الطيور، وقد اصطفت، وتقاودت مجاورة، مثل حبات عناقيد الدوالي، لتقول لك، عشت، وعاش الدرب الذي جاء بك، فها هي البركة حلت في البيت!
قلت، وأنا يا سيدي، لماذا لا أفرح مثل كل من، وما، أراه؟ هل التهم حزني، وجرحي، وبكائي، ووجع قدمي، وتعب يدي، وجولان عقلي، وصحو ذاكرتي كل معاني الخصب في داخلي، وقد كان كثيراً، ومتنوعاً، ولهوفاً، وعجولاً، وحثيثاً، وملوناً، وقصيراً، وطويلاً، وقافزاً، وزاحفاً، ومنحنياً، وجلياً، وخفياً؟ قل لي أرجوك! قال، وقد مر بنا هواء ثقيل، وغيم جموح، ومطر غزير، وريح غضوب، وشجر أسود، وماء تحجر على شكل حصى، وقصب أخرس، وشوك مزهر، وصخر يتطاير مثل رفوف الزرازير، وبشر لهم وجوه ترابية مدلوقة على الصدور، ونعام يطير، وجرار عسل يدفعها سيل جهوم، بشر يمشون على أقدام غارقة في الوحل، لكنها تمشي، بشر لهم شفاه تشبه ورق الكتب، إنها تتراجف، وتقول تمتمات لا تصير كلاماً، قال الرجل العجوز الذي أنسن لي الحياة، وجعلها جميلة: وماذا يهمّك الآن، أنت افترعت الطريق، ومشيته، وأنت افتككت نقطة الدائرة، وافتككت قفلها، ومحوت فضاءها، وأنت من جعل خطها مستقيماً كي يصير المعنى معنى يستنبت الفرح، مثل الأنهار التي تستنبت الشجر، والعشب، والأزهار، والمروج، والبراري، والطيور، والغناء، والموسيقى، والقرى.
أنت، الآن، طيّ البركة التي حلت في البيت!
Hasanhamid5656@gmail.com
مواضيع ذات صلة
.. طيّ بركة البيت!
الضفة الغربية.. ماذا يكشف تزامن الأحداث؟
المستوطنون وحكومتهم ورثة الإرهاب والمجازر
استطلاعات الرأي ومدى التحكم بنتائجها
السلم الأهلي... شرط الصمود في زمن الحرب والاستحقاقات الوطنية
سموتريتش يهيئ لجريمة حرب في الجليل والنقب
قسم أبحاث الزيتون.. هندسة المعاصر والحد من الفاقد والأكسدة (6 من 10)