عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 آب 2026

قسم أبحاث الزيتون.. هندسة المعاصر والحد من الفاقد والأكسدة (6 من 10)

فياض فياض

 إنتاج زيت الزيتون عالي الجودة، والمحافظة على هذه الجودة يتطلب إجراءات ما قبل الحصاد والحصاد نفسه وما بعد الحصاد حتى وصول المعصرة وبدء عملية العصر.

المعصرة ليست مجرد خط إنتاج ميكانيكي جامد، بل هي مختبر كيميائي وفيزيائي حساس؛ إما أن تخرج منه قطرات الزيت بكامل بركتها وخواصها الطبية الفريدة، أو تفقد هناك هويتها وجودتها لتتحول إلى زيت متدهور بفعل الأكسدة وسوء الإدارة الفنية. رحم الله الاخ والصديق خالد الجنيدي ابو حسام لكلمته التي كان يرددها دائما: "زيت الزيتون في المعصرة إما أن يكرم أو يهان" .

من هنا، يبرز الدور المحوري والتدخلي لـ "قسم أبحاث الزيتون" في مركز البحوث الزراعية بجامعة فلسطين التقنية "خضوري"؛ ليقود نقلة نوعية تنتقل بالمعاصر الفلسطينية من عفوية الممارسات الميكانيكية التقليدية إلى دقة "الهندسة التصنيعية" الصارمة، هادفاً إلى تحقيق غايتين إستراتيجيتين: 

- الحد من الفاقد الكمي والنوعي.

- الحد من الأكسدة المبكرة.

 وهذا يتطلب من قسم أبحاث الزيتون العمل على تطبيقات علمية لأربعة محاور أساسية هي :

1. السيطرة على الفاقد الكمي والنوعي في المعصرة .

يعاني قطاع الزيتون في فلسطين سنوياً من هدر صامت وجسيم.

أ‌- ((فاقد كمي))، فسوء عملية الجرش والخلط يؤدي إما إلى بقاء نسب مرتفعة من الزيت حبيسة داخل مخلفات "الجفت" و"الزيبار" (فاقد كمي يصل الى 11.8% حسب تقرير لمركز البحوث الوطنية بعد فحص مخلفات الزيت في الجفت لكافة المعاصر في فلسطين ولمدة خمس سنوات متتالية)، التقرير مطبوع والكتيب متوفر في مجلس الزيتون الفلسطيني لمن يريد الاطلاع .

ب ‌- ((فاقد نوعي علاجي)) يؤدي لتبدد وهروب مركبات "البوليفينول" ومضادات الأكسدة الشرسة.

وهنا يأتي دور قسم أبحاث الزيتون لتوطين وتعميم بروتوكولات فنية صارمة للحد من هذا الهدر؛

- الكشف الدائم وضمان أن تكون المناخل حديثة ومدروسة للجاروشة تضمن تجانس العجينة.

- ضبط حرارة ماء الخلط والتقليب بحيث لا تتجاوز تحت أي ظرف 28 درجة مئوية (العصر على البارد) للحفاظ على الطعم الفاكهي للزيت البكر الحارق والفوائد الطبية الحامية للشرايين وضغط الدم.

- تحديد مدة الخلط مقارنة مع درجة نضج الزيتون ونوعيته.

2.  التحديث الميكانيكي الذكي لخطوط الإنتاج

تثبت التجربة الميدانية أن تفاصيل ميكانيكية بسيطة تصنع فارقاً هائلاً في الجودة.

 لذا يعمل القسم على توجيه المعاصر نحو تحديثات هندسية تضمن سلامة المنتج من المنبع، وأبرزها:

- ضمان كفاءة عمل شفاطات طرد الأوراق قبل دخول الثمار إلى الغسالة لعزل الأوراق والأغصان التي تفرز مادة الكلوروفيل العشوائية، والتي تزيد من مرار الزيت وتسرع من تحلله وفساده لاحقاً.

- تركيب شطافات ماء إضافية فور خروج الزيتون من الغسالة وقبل دخوله الجاروشة لضمان عزل كامل للأتربة العالقة بأقل استهلاك مائي ممكن، تماشياً مع معايير الحفاظ على البيئة وتقليص حجم الزيبار.

3. معركة الحفظ الصحي ومنع الأكسدة المبكرة .

العدو الأول لزيت الزيتون فور خروجه من الفرازة (الفرّاز) هو الأكسجين والأسطح غير المؤهلة. ويتدخل القسم بحثياً وإرشادياً لـ :

- ضمان عدم دخول المرطبات والجرارات الى داخل المعصرة.

- ضمان عدم التدخين او الارجيلة التي اصبحت شائعة في بعض المعاصر.

- إغراق الخبز في حوض الزيت أو من تحت الفرازة.

- أن يكون الحوض الذي سيستقبل الزيت الخارج من الفرازة أن يكون نظيفا وملائما لزيت الزيتون.

- ضمان أن يكون الوعاء الذي ستستخدمه المعصرة لحفظ حصتها من زيت الزيتون ((الرد)) في تنكات ملائمة من الستانلس ستيل.

- ضمان توفر العبوات الملائمة لزيت الزيتون من الصفيح المجلفن لبيعها للمزارع بدل العبوات البلاستيكية.

4.  تحويل القسم إلى مرجعية فنية ورقابية للمعاصر

المأمول والمخطط له أن يصبح قسم أبحاث الزيتون بجامعة خضوري هو "المظلة المرجعية" التي تمنح المعاصر الفلسطينية شهادات الكفاءة الفنية والتشغيلية المعتمدة دولياً من خلال :

- توفير "مختبرات فحص سريعة ومتحركة" تقيس نسب الفقد في الجفت والزيبار بدقة خلال دقائق، ما يتيح للفنيين ضبط الماكينات فوراً أثناء العمل وإنقاذ محصول المزارعين في نفس اللحظة، بدلاً من الفحوصات التقليدية المتأخرة التي لا تفيد بعد انتهاء الموسم.

- توفير مواصفة تكون مرجعية لعمل المعاصر وتشغيلها بكفاءة عالية.

خاتمة:

إن قطاع الزيتون في فلسطين لم يعد يحتمل إهدار قطرة زيت واحدة أو التفريط في ميزة تنافسية لزيتنا البكر الممتاز عالمياً. والبدء في تطبيق الهندسة الدقيقة داخل المعاصر عبر قسم أبحاث خضوري هو الجسر الحقيقي لحماية الذهب الأخضر؛ لكي نضمن أن ما تعبت في إنتاجه سواعد الفلاحين في الأرض، تحفظه وتستخلصه بدقة وبأعلى كفاءة عقول العلماء والمهندسين في المعصرة.