عابا الشرقية بين "حجري" رحى...

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يراقب رئيس مجلس عابا الشرقية، برهان عزامطة، أحدث تصعيد للتوسع الاحتلالي في"جانيم"، و"كاديم"، المستوطنتين الأقرب إلى قريته الصغيرة، باستقدام بيوت جاهزة أمس الأحد.
ويسرد لـ"الحياة الجديدة": تبعد "جانيم" قرابة 300 متر عن منازلنا، وتفصلنا عن "كاديم" نحو 900 متر، ونحن أقرب موقع على المستوطنتين، وكأنه يقول إن قريته بين حجري رحى أو فكي كماشة.
ويقيم في التجمع المنبسط في معظم أراضيه، نحو 800 مواطن من عائلة واحدة، مرتبطة بمؤسسها الجد محمد عبد القادر، القادم قبل قرابة مئة عام من قرية عزموط بمحافظة نابلس.
ويشير إلى أن قريته كانت ممتدة على 1500 دونم، غير أن الاحتلال صادر نحو ثلثها في مناسبات مختلفة لصالح المستوطنة والشارع الالتفافي، الذي صار دربا للمعاناة.
ويعود عزامطة إلى مستهل التسعينيات، حينما بدأ الاحتلال بشق الطريق الالتفافي من أراضي والده، إذ خسر 5 دونمات منها.
ويبين أنه خسر الأسبوع الماضي متجره الذي كان ممتدا على 200 متر مربع، في منطقة الزينبية، بدعوى إقامته دون ترخيص، رفقة 26 منشأة، هدمها الاحتلال دفعة واحدة.
ويفيد بأنه نقل محتويات متجره إلى مكان داخل القرية، قبل أن يتحول مصدر رزقه إلى كومة ركام.
وللقرية اسم قديم هو (وادي الضبع)، لكنها تغيرت مطلع سبعينيات القرن الماضي إلى عابا، للتفريق عن الخربة الكنعانية الأثرية المسماة (عابا الغربية)، لحظة تعيين مخاتير للتجمعات.
ووفق عزامطة، فإن إغلاق الاحتلال للطريق الالتفافي يحول القرية إلى ما يشبه السجن، وهو ما حدث الأسبوع الماضي، لحظة إعادة الاحتلال افتتاح لمستوطنة "غانيم".
وفي القرية مدرسة مختلطة للصف العاشر، كانت تستوعب قرابة 200 طالب من أحفاد العزموطي الجد، ومن التجمعات المنتشرة في حي الألمانية، وبلدة دير أبو ضعيف.
وتتشابه روايات الأهالي مع رئيس مجلسهم وابن عمومتهم، فيقولون: لم يأت اسم وادي الضبع من فراغ، بل من الوادي الذي يشكل قرية هادئة، تتكئ على السفوح وتطل على سهل مرج ابن عامر ومدينة جنين، وتتدرج أراضيها بين التلال والمراعي وكروم الزيتون.
ويشيرون: كانت الجبال المحيطة بالقرية فضاء مفتوحا؛ لا يحتاج الطفل فيه إلى موعد مع الطبيعة، ولا يحتاج الراعي إلى طريق مرسوم كي يصل إلى مرعاه، فكانت الأرض ملعبا للأطفال، ومختبرهم الأول، وكتابهم المفتوح.
ويرسم أحمد، الشاب الأربعيني صورة لقريته: في الربيع، كانت السفوح تكتسي بالخضرة، وتنتشر الأعشاب البرية بين الصخور، ويخرج الصغار يبحثون عن الزعمطوط، ويتسابقون في اكتشاف أعشاش الحجل، بينما تمضي قطعان الأغنام بين المنحدرات والمراعي في مشهد يومي تختلط فيه أصوات الأطفال بأجراس المواشي وهدوء المكان.
ويتابع: كان وادي الضبع، بالنسبة لأهله وأبناء جنين، أكثر من قرية صغيرة على هامش المدينة؛ وكان مساحة للراحة والهروب من صخب الحياة. ومع مرور السنوات، وبخاصة بعد إخلاء مستوطنتي "كاديم" و"جانيم" عام 2005، استعاد المكان جزءا من هدوئه ومساحته المفتوحة.
ويوالي: أقيمت المستوطنتين عام 1981، وتغير المشهد الجغرافي شرق جنين، قبل إخلائهما عام 2005، ضمن ما تسمى خطة فك الارتباط.
وتبعا لساكني عابا التي تسكنهم أيضا، فمنذ عام 2005 وحتى السنوات الأخيرة، أخذ وادي الضبع يعيش مرحلة مختلفة؛ بدا فيها المكان وكأنه يستعيد شيئا من طبيعته الأولى. وفي أيام الجمعة، كانت الجبال تستقبل المتنزهين، وتتحول المساحات المفتوحة إلى متنفس لأهالي جنين والقرى المجاورة؛ عائلات تحمل طعامها، وشباب يصعدون التلال، وأطفال يركضون بين الأعشاب والصخور، ورعاة يقودون أغنامهم في المساحات التي يعرفونها شبرا شبرا.
ويؤكد الأهالي بلسان واحد: بين 2005 و2026، لم يكن وادي الضبع مجرد مكان استوطنه الغرباء، بل كان في الذاكرة اليومية لأهله وزواره، وبقيت الطبيعة واقفة رغم كل ما مر بها، تحولت إلى متنفس اجتماعي وسياحي وزراعي، إلى مكان يذهب إليه الناس لأنهم ببساطة يريدون أن يكونوا في الطبيعة.
ويختتم أحمد: عادت المستوطنتان إلى واجهة الأحداث، وبدأت أعمال وتجهيزات في موقعيهما، وأدخلت البيوت المتنقلة، وسط تقارير عن التحضير لعودة المستوطنين إلى "كاديم"، بعد أيام من إعادة "غانيم".
ووفق الأهالي، أقام الاحتلال في المنطقة المحاذية لوادي الضبع، معسكرا على مساحة 22 دونما، وعلى مقربة من أراض زراعية لاهالي القرية.
وتجد عابا الشرقية نفسها اليوم محاصرة بين موقعين استيطانيبن، ومعسكر يتشكل بالقرب منهما، وطرق التفافية تعيد تقسيم الأرض وحركة الناس.
لكن أكثر ما يؤلم في قصة وادي الضبع، أو عابا الشرقية ربما لا يظهر في الخرائط، ولا في أرقام الدونمات، بل في المشهد الذي يتغير، والوطن الذي يسلب من أهله قطعة قطعة.
مواضيع ذات صلة
قصرة.. أرواح تحرس التراب في أيام الوجع
عابا الشرقية بين "حجري" رحى...
الاحتلال يقتحم المغير ويطلق قنابل الغاز تجاه منازل المواطنين
أكثر من 70 عائلة في حي المحطة بمدينة اللد تواجه خطر الإخلاء وهدم منازلها
البابا يجدد دعوته لوقف العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية ويدعو لحل الدولتين
وفد وزاري يتفقد بلدة قصرة ويطّلع على احتياجاتها من المشاريع التطويرية والخدمية لتعزيز صمودها