عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 18 تموز 2026

اختراع العزلة لبول اوستر.. حين تصبح السيرة الذاتية مرأة للكتابة والتأمل

مهيب البرغوثي

ليس من السهل العثور على كتاب يفتتح به كاتب مشروعه الأدبي، ثم يظل، بعد عقود، مفتاحا لقراءة أعماله اللاحقة. هذا ما فعله بول أوستر في "اختراع العزلة"؛ الكتاب الذي ولد من صدمة شخصية، لكنه سرعان ما تجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح واحدا من أكثر النصوص تأملا في معنى الذاكرة والغياب والكتابة.

كتب أوستر هذا العمل عقب وفاة والده المفاجئة، وقسمه إلى جزأين: "صورة رجل غير مرئي" و"كتاب الذاكرة" إلا أن الكتاب لا يروي قصة موت أب، بقدر ما يتتبع ما يخلفه الموت من فراغ، وما يفتحه من أسئلة لا تجد إجابات نهائية. ففي اللحظة التي يغيب فيها الأب، يبدأ حضوره الحقيقي داخل اللغة، وتتحول الذاكرة من مخزن للصور إلى فضاء للتأمل وإعادة الاكتشاف.

لم يكن والد بول أوستر شخصية يسهل الاقتراب منها. كان رجلا قليل الكلام، شديد التحفظ، حتى بدا لابنه، بعد رحيله، أكثر غموضا مما كان عليه في حياته. لهذا لا يكتب أوستر رثاء، ولا يسعى إلى تلميع صورة الأب أو محاكمتها، بل يحاول أن يعيد تركيب إنسان لم يعرفه كما ينبغي، مستخدما شذرات الذاكرة، والوثائق، والأشياء اليومية التي بقيت شاهدة على حياة صامت.

في الجزء الأول، تبدو الكتابة أقرب إلى عمل أثري يحفر في بقايا حياة انقضت، بينما يتحول الجزء الثاني إلى رحلة فلسفية في طبيعة الذاكرة والزمن واللغة. وهنا يتراجع الأب بوصفه شخصية، ليغدو مدخلا للتأمل في العلاقة بين الآباء والأبناء، وبين الإنسان وماضيه، وبين ما يعاش وما يكتب. فكل ذكرى، في نظر أوستر، ليست استعادة للماضي، بل إعادة خلق له.

تكمن قوة الكتاب في أنه يرفض تقديم حقيقة مكتملة. إنه يترك مساحات واسعة للشك، ويعامل الذاكرة بوصفها كيانا متغيرا لا أرشيفا ثابتا. لذلك يشعر القارئ أن النص يتحدث عنه بقدر ما يتحدث عن مؤلفه؛ إذ يجد كل واحد فيه شيئا من أبيه، أو من ابنه، أو من ذلك الغائب الذي ما زال يسكن تفاصيل حياته اليومية.

ولعل هذا ما يمنح "اختراع العزلة" مكانته الخاصة في أدب السيرة الذاتية. فهو لا يكتفي بتسجيل التجربة الشخصية، وإنما يحولها إلى سؤال إنساني مفتوح حول الهوية، والفقد، وإمكانية أن تمنح اللغة شكلا لما يبدو مستحيلا على الوصف. فالكتابة هنا ليست وسيلة لتخليد الموتى، بل محاولة لفهم الأحياء الذين بقوا بعدهم.

وتأتي ترجمة الشاعرالفلسطيني  سامر أبو هواش لتمنح النص العربي قدرا كبيرا من صفائه وإيقاعه التأملي، محافظة على تلك النبرة الهادئة التي تميز أسلوب أوستر، بينما يواصل الشاعر والناشر خالد سليمان الناصري صاحب دار المتوسط للنشر –ميلانو - تقديم الأعمال التي تراهن على القارئ الباحث عن الأدب الذي يطرح الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات.

بعد أكثر من أربعة عقود على صدور الكتاب، لا تزال أسئلته تحتفظ براهنيتها. فالإنسان ما زال يخشى النسيان أكثر مما يخشى الموت، وما زالت الكتابة، رغم كل شيء، إحدى الوسائل القليلة لمقاومة الفناء. ولعل هذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه بول أوستر: أن الأدب لا يهزم الموت، لكنه يمنع الغياب من أن يكون الكلمة الأخيرة. ففي كل صفحة من "اختراع العزلة" يؤكد لنا أن الإنسان يرحل بجسده، لكنه يبقى ما دامت هناك ذاكرة تستدعيه، ولغة تمنحه حياة أخرى، وقارئ يعيد اكتشافه كلما فتح الكتاب من جديد.