عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 18 تموز 2026

قراءة نقدية في ديوان "سراب التباريح" للشاعر نمر سعدي

طارق عون الله

يأتي ديوان "سراب التباريح" الصادر عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، امتدادا لتجربة شعرية رسخ الشاعرنمر سعدي ملامحها عبر سنوات طويلة من الكتابة، حيث تتجاور النزعة الغنائية مع التأمل الوجودي، ويتداخل الخاص والعام ضمن نسيج لغوي كثيف الإحالات والدلالات. غير أن قيمة الديوان لا تكمن فقط في استمرار هذه السمات، بل في الطريقة التي يعيد بها الشاعر تدوير عناصر عالمه الشعري المألوف داخل رؤى جديدة تحاول الإفلات من التكرار..

يبدو أن الحقول الدلالية المهيمنة في الديوان تنتمي إلى فضاء معروف في شعر سعدي: الماء، الريح، القرية، الحنين، المرأة، الذاكرة، والطبيعة الفلسطينية. وهذه العناصر تمنح النصوص درجة عالية من الانسجام الداخلي، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا نقديا مشروعا حول حدود التجدد داخل هذا العالم. فالشاعر ينجح غالبا في إعادة شحن هذه المفردات بطاقة رمزية جديدة، إلا أن كثافة حضورها قد تجعل بعض القصائد تدور داخل المدار الجمالي نفسه دون مغامرة كافية نحو مناطق أكثر اختلافا.

ومن أبرز نقاط القوة في التجربة قدرة الشاعر على بناء صورة شعرية متدفقة وغير مصطنعة. فالاستعارة لا تبدو زينة بلاغية ملحقة بالنص، بل جزءا من آلية التفكير الشعري ذاتها. ومع ذلك، فإن الإفراط في الاشتغال على الصورة قد يؤدي أحيانا إلى تراجع البنية الدرامية للقصيدة لصالح التدفق الوصفي والتأملي، بحيث تصبح اللغة نفسها هي مركز الجاذبية الأول في النص.

أما التناص الثقافي، وهو أحد الملامح اللافتة في شعر نمر سعدي، فيمثل عنصرا ثريا حين يتحول إلى أداة لإنتاج المعنى، لا مجرد استدعاء لأسماء ورموز ذات مكانة ثقافية. وتبدو أهمية هذا الجانب في قدرة الشاعر على استضافة أصوات متعددة داخل نصه دون أن يفقد صوته الشخصي. غير أن نجاح التناص يظل مرهونا بمدى اندماجه العضوي في التجربة الشعرية، لأن المرجعيات الكثيرة قد تتحول أحيانا إلى عبء على النص إذا طغى حضورها على التجربة المباشرة.

وفي ما يتعلق بصورة المرأة، لا تتوقف القصائد عند حدود الخطاب الغزلي التقليدي، بل تنفتح على مستويات رمزية أوسع تجعل المرأة قرينة للذاكرة والجمال والوطن والقصيدة نفسها. وهذه السمة تمنح النصوص طاقة تأويلية واضحة، لكنها قد تؤدي أحيانا إلى تذويب الشخصية الإنسانية الملموسة للمرأة داخل المجاز، بحيث تصبح رمزا أكثر منها كائنا حيا بتفاصيله الفردية.

فنيا، يبرهن الشاعر على خبرة واضحة في التعامل مع الإيقاع وبناء الجملة الشعرية. فالقصيدة تتنفس بهدوء وتتحرك ضمن إيقاع داخلي منضبط، بعيدا عن الصخب اللفظي أو المجانية التعبيرية. غير أن هذا الميل إلى النبرة التأملية الهادئة قد يجعل بعض النصوص متقاربة المزاج والإيقاع، الأمر الذي يحد أحيانا من عنصر المفاجأة الذي تحتاجه القصيدة الحديثة.

ومع ذلك، يبقى "سراب التباريح" عملا ينتمي إلى تجربة ناضجة وواثقة من أدواتها. فالشاعر لا يكتب من موقع البحث عن صوته، بل من موقع ترسيخه وتعميقه. وتكمن أهمية الديوان في قدرته على الدفاع عن القيم الجمالية والإنسانية في زمن تتعرض فيه اللغة نفسها للتآكل والاستسهال. وإذا كان الديوان لا يخلو من بعض المناطق التي تستدعي مزيدا من المغامرة الفنية وكسر الأنماط المألوفة داخل عالم الشاعر، فإنه يظل إضافة ذات قيمة إلى منجزه الشعري، ودليلا على استمرار مشروع شعري يمتلك خصوصيته وحساسيته الجمالية الواضحة.