عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 18 تموز 2026

شجرة ديوان قصر هشام.. تتدلى منها 15 برتقالة تلمع وتتلألأ

محمود الزيباوي

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأنا قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمع يحوي مسجدا مع فناء، وحماما كبيرا تزينه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ"أكبر لوحة فسيفساء في العالم"، وتتميز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفا تصويريا صرفا يتميز بطابعه الواقعي، وتمثل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكل هذه اللوحة جزءا من فسيفساء أرضية تزين مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتعرف بديوان الخليفة. تتوزع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزين هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمام الضخمة، وتزين المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عرفت باسم "شجرة الحياة"، وباتت رمزا من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزينه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزينان مدخلا لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم "المعين"، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزين اللوح الذي يستقر عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المعين المربع ذا الأضلاع المتعرجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعب يشكل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثان يحتل وسطه معين كبير تحده أربعة مثلثات، وتزين مساحة هذا المعين تقاسيم مجدولة بيضاوية.

في المقابل، تزين وسط الحوض سجادة يتكرر فيه شكل المعين في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزينه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرر فيه شكل المعين المربع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزينان المدخل.

تحد هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقر وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجص المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحده شريط نحيل يتكون من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محورة هندسيا. يستقر لوح الفسيفساء المقوس وسط هذا الحلة من الجص المنقوش، وتحده سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجردة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجا استثنائيا عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمام، ويتضح عند تأمل مكوناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صورت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعددة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالا، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدمة غزال يتقدم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحل هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكل جزءا من مشهد جامع يحتل القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقض السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكررت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكررت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلة لرصد تحولاتها في هذه المواقع.

----------

عن "الشرق الأوسط"