الكلمات حياتها الثانية
مهيب البرغوثي

أين تمضي الكلمات حين نصل إلى النقطة الأخيرة في آخر الرواية، أو القصيدة، أو القصة؟ أتنتهي رحلتها عند تلك العلامة الصغيرة التي يضعها الكاتب مطمئنا إلى أنه قال كل ما يريد قوله؟ أم أن تلك النقطة ليست سوى بداية طريق آخر، أكثر غموضا واتساعا، لا يملكه الكاتب، بل القارئ؟
كل نص يولد مرتين؛ مرة على طاولة الكاتب، ومرة في عين القارئ. الولادة الأولى مشوبة بالقلق، بالمحو والإضافة، بالشك في كل كلمة، وبالأسئلة التي لا تنتهي. أما الولادة الثانية، فهي أكثر حرية؛ هناك، في عزلة القارئ الذي لا يعرف الكاتب اسمه، تبدأ الكلمات في خلع معناها الأول، لتبحث عن حياة أخرى، وعن معنى آخر، وعن قلب جديد تسكنه.
الكتابة، في جوهرها، ليست سوى محاولة اخرى لمقاومة الموت . نكتب حتى يبتلعنا الصمت ، ولأن الحياة اقصر من ان ندرك كم هي تدفعنا نحو اللاشئ وهناك نلتقي بارواحنا، لكن ما ان ننتهي من كتابة النص ، ، حتى يصبح غريبا عنا ، يصبح مستقل عن كينونتنا،وتصبح طريقة مختلفة عنا ،ينام في غرفة اخرى ، ويمشي مع من يحاول ان يحميه من بطش الآخرين، ينفصل النص عن ذاكرة الكاتب ليذهب الى ذاكرة القارئ ليحاول ان يعثر على شيئ من المعرفة فيه..
الآن في الكثير من البلدان وفي اكثر من مكان تذهب الى المكتبات تجدها فارغة،كانة هناك من يريد ان الانتقام من الكتاب والكاتب معا ،وذهب الى الكثير من المحلات التجارية او محلات الملابس والمقاهي تجدها مليئة بكل الاعمار تحمل السؤال وتخرج والحسرة تأكل روحك لماذا كل هذا الغضب من الكتاب؟، من اجل ماذا يكتب الكتاب ؟ وهل الكاتب يعرف انه غير مقروء وان علبة شبس تساوي كل ما كتب؟ ذلك السؤال الذي سيبقى بعذب الانسان حين يكون هناك مقارنة بين الذهن والكتاب الأله والعقل الحياة،
القارئ الحقيقي لا يقرأ الكتاب، بل يعبره. الكلمات ليست سوى أثر خفيف على الطريق، أما الرحلة فتجري في المساحات التي تركها الكاتب بيضاء، وفي الصمت الذي يتنفس بين جملتين. هناك، حيث لا شيء مكتوبا، تبدأ القراءة فعلا.
كل كتاب صادق يبدل ترتيب العالم في داخلك. يتركك تتعرف إلى نفسك في وجه غريب، وتحمل حزنا لم يكن حزنك، وتتذكر مكانا لم تعشه إلا في الخيال. كأن الذاكرة ليست ملكا لما عشناه، بل لما لامس أعماقنا، ولو لم يحدث قط.
لهذا لا يصنع الأدب حكايات فحسب، بل يصنع أرواحا إضافية نسكنها، وحيوات أخرى نعبرها من دون أن نغادر مقاعدنا. تلك هي معجزته الهادئة: أن يذيب الحدود بين الأنا والآخر، وبين الواقع والحلم، حتى يصبح الغريب جزءا من سيرتك، وتغدو حياتك أقل وحدة، وأكثر اتساعا.
أفكر أحيانا أن الكتب لا تكتب لكي تقرأ، بل لكي تنتظر. فالانتظار شكل آخر من أشكال المعرفة. الكتاب يعرف أن قارئه موجود في مكان ما، لكنه لا يستعجل اللقاء. قد يعبر سنوات طويلة، أو يقطع بحارا ولغات، قبل أن يفتح أحدهم الصفحة الأولى، فيشعر أن الكلمات كانت تعرف اسمه منذ البداية.
الزمن لا يمر على النص كما يمر علينا. نحن نشيخ، أما الكلمات فتبدل وجوهها كلما نظر إليها شخص جديد. لهذا تبدو الرواية التي قرأتها في العشرين غريبة عليك في الأربعين، كأن أحدا أضاف إليها فصولا لم تكن هناك. لكن أحدا لم يضف شيئا. الذي تغير هو القارئ. والنص يعرف كيف يبدل ملامحه بحسب الضوء الذي يسقط عليه.
وحين يعود الكاتب إلى ما كتب، لا يجد نفسه. يجد شخصا ترك ظله بين السطور ورحل. يبتسم لذلك الغريب الذي كان يظن أنه يكتب كتابا، بينما كان الكتاب، في مكان خفي، يكتب كاتبه أيضا. وما يكتشفه القراء ليس دائما ما أراده، بل ما استطاعت الكلمات أن تخبئه عنه.
لا أصدق أن المطبعة هي نهاية الرحلة. إنها الباب فقط. بعده تبدأ حياة لا نعرف عنها شيئا. صفحة تفتح في مقهى بعيد. جملة تقرأ في غرفة يجاور فيها الخوف الأمل. سطر يعبر حقيبة طالب، أو ينام على طاولة قرب نافذة، أو يصل إلى منفي لم يبق له من البلاد سوى اللغة. هناك، في تلك اللحظات الصغيرة التي لا يراها أحد، تصبح الكلمات أقل شبها بالحبر، وأكثر شبها بالهواء.
ربما الأدب ليس ما نكتبه، بل ما يظل حيا بعد أن نغادر.. وما دام هناك شخص يفتح كتابا ليبحث عن نفسه، ستظل الكلمات تجد طريقها، ، من دون ضجيج، ومن دون أن يطلب الإذن من أحد.
مواضيع ذات صلة
الكلمات حياتها الثانية
التشكيل العراقي المعاصر في كتاب مروان ياسين الدليمي.. قراءة نقدية
فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية
الشاعر اللبناني عباس بيضون: "لن يكون الدمار مجرد موضوع للقصيدة"
شهر العنب المثلج
ما زال الغبار عالقا بي
"الضفة الغربية: الحرب المنسية".. صدور عدد جديد من مجلة الدراسات الفلسطينية