عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 18 تموز 2026

كفر راعي.. "عاصمة الكرز" التي أعادت صياغة مفهوم الاقتصاد الريفي في فلسطين

جنين- الحياة الجديدة- ميساء بشارات- في قلب التلال الفلسطينية، تبرز بلدة كفر راعي جنوب غرب جنين، ليس فقط كمنتج زراعي، بل كعقلية اقتصادية استراتيجية استطاعت تحويل "موسم قطاف" إلى "دورة اقتصادية متكاملة".

فبينما تعاني العديد من المناطق من اختناقات تسويقية، نجحت كفر راعي في ابتكار نموذج "السياحة الزراعية"، محولة مزارعها إلى وجهات سياحية ومحرك للنمو المحلي، حيث لا يباع المحصول هنا في صناديق خشبية فحسب، بل يباع كـ "تجربة حياة" تربط الإنسان بأرضه، وتعيد تعريف مفهوم التنمية المحلية في فلسطين.

 

العلامة التجارية.. كيف أصبح الكرز سفيرا للبلدة؟

لم تكن البداية مجرد زراعة، بل كانت رؤية تسويقية تبناها المجلس البلدي الجديد لتغيير الصورة الذهنية عن البلدة واستثمار موسم الكرز كرافعة لتسويق البلدة وكأداة لترويج البلدة وطنيا وعالميا، ونجح في ربط اسم "كفر راعي" بمنتج الكرز بشكل عضوي، مستقطبا وسائل الإعلام والمؤثرين ليصبح الموسم "ترندا" زراعيا واقتصاديا.

 

ثورة في سلاسل التوريد.. "المستهلك إلى المزرعة"

يقول رئيس بلدية كفر راعي الدكتور لؤي الشيخ إبراهيم: "تكمن العبقرية الاقتصادية في كفر راعي في كسر النمط التقليدي للتسويق.. فبدلا من تحمل تكاليف نقل المنتج إلى "الحسبة" والمخاطرة بتدني الأسعار، اعتمدت البلدة فلسفة جلب المستهلك إلى قلب المزرعة".

ويضيف: "سوقنا البلد قبل أن نسوق الكرز، وربطنا اسم كفر راعي بهذا المنتج الاستراتيجي".

 

عبقرية "السياحة الزراعية".. المستهلك في قلب المزرعة

ويتابع: هذا النهج لم يوفر تكاليف النقل والوساطة فحسب، بل خلق دورة اقتصادية متكاملة داخل البلدة؛ فالزائر الذي يأتي لقطف الكرز بيده، ينعش في طريقه المخابز، المطاعم، والسوبر ماركت، كما امتد الأثر ليشمل مشاريع ناشئة أخرى كالفراولة المعلقة وورق العنب، حيث تشارك النساء في قطف الدوالي أمام عيون الوفود، ما يعزز الثقافة الزراعية ويخلق فرص عمل حقيقية.

ويشير الشيخ إبراهيم إلى أنه من خلال استقطاب المحطات العالمية والمحلية والمؤثرين، وضعت "العربة على السكة الصحيحة"، لتتحول البلدة إلى مزار وطني تتصدر أخباره منصات التواصل والإعلام.

 

إدارة العرض والطلب.. سلاح الأصناف الحديثة

يشير الشيخ إبراهيم إلى أن البلدة واجهت قديما مشكلة "المزاحمة في العرض"، حيث كان الصنف البلدي ينضج دفعة واحدة خلال أسبوعين، ما يؤدي لانهيار الأسعار. اليوم، يقود المزارعون خطة استراتيجية لتغيير الأصناف إلى "الشامي" و"الخليلي"،  تتميز بجودتها العالية وسهولة التحكم في تسويقها، مما نجح في تمديد فترة عرض الكرز في الأسواق من أسبوعين إلى حوالي ثلاثة أشهر. هذا التوزيع الزمني يضمن استقرار الأسعار ويحقق تدفقا نقديا مستداما للمزارعين.

 

مملكة الكرز

خلف جمال حبات الكرز، تقف أرقام اقتصادية تعكس وزن البلدة في الأمن الغذائي الفلسطيني.

يقول الشيخ إبراهيم إن البلدة تحتضن نحو 200 ألف شجرة كرز موزعة على مساحة تصل إلى 6000 دونم. كما تنتج ما نسبته 4% إلى 4.5% من إجمالي إنتاج فلسطين من الزيت، بوجود 16 ألف دونم زيتون تنتج سنويا ما بين 1000 إلى 1200 طن.

كما يشكل الزيتون حوالي 70% من دخل المزارعين في البلدة، بينما يسهم الكرز بنسبة 25%، مع مساهمات متنامية لقطاعي النحل والثروة الحيوانية.

 

رؤية استراتيجية.. نحو "العنقود الزراعي"

لا يتوقف طموح كفر راعي عند قطف الثمار، بل يمتد نحو مأسسة العمل التنموي. فقد شرع المجلس البلدي بتشكيل مجلس استشاري يضم كفاءات البلدة في المؤسسات الوطنية والبنوك والوزارات، وحتى المغتربين، ليكونوا الرافعة والموجه لسياسات البلدة الاستراتيجية.

وتتضمن الخطط المستقبلية تطوير مزارع نموذجية مغطاة ومسيجة تعتمد الري التكميلي، وإحياء أصناف منقرضة كـ "المشمش البلدي"، وذلك ضمن خطة خمسية تتقاطع مع "عنقود اللوز والكرز" الوطني بالتعاون مع وزارة الزراعة.

كفر راعي اليوم ليست مجرد بلدة، بل هي مدرسة في الصمود الاقتصادي. ومع اقتراب شهر تشرين الثاني، تستعد البلدة لإطلاق "مهرجان الزيت والزيتون"، لتؤكد مجددا أنها "الأم الحنون" لكل مزارعيها ومنتجاتها الريفية.

 في كفر راعي، الأرض لا تعطي ثمارا فقط، بل تعطي كرامة ونموذج يحتذى في كيف يمكن للقرية الفلسطينية أن تقود دفة التنمية الاقتصادية بذكاء وانتماء.