عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 حزيران 2026

..لقد انتهى التعب! قالت الراهبة (نعمة) لي:

تغريدة الصباح- حسن حميد

 

اختلفوا، فدارت حرب رهيبة، كانت أسلحتها النجوم، والأمطار، والرياح، والثلوج، والغيوم، والبروق، والرعود، وبسبب الحرب الوحشية، رمى بعضهم بعضاً، فسقطوا جميعاً على الأرض، ونقلوا تنافسهم وحروبهم من هناك، إلى هنا، إلى الأرض. قلت: يا أختاه، أنا لا أفهم مما تقولين شيئاً!

قالت، وكأنها لم تسمعني: لقد هبطوا، فاقتسموا الدنيا، حتى صارت جزراً، ومناطق، وبلاداً، وقرى تابعة لكل منها، هنا في (أريحا) التي كان اسمها (رويحة) بسبب روائح الفواكه، وأشجار الطيون، والغار، والبطم، والسدر، والورود الكثيرة، هبط أحدهم في بحر (أريحا)، وغاص عميقاً إلى أن استقر في قاع البحر، وفي أثناء غوصه، كان يترك وراءه ملحاً أسود اللون، حتى تشبع به ماء البحر، فأصبح الماء كله ملحاً، وحين استقر في قاع البحر بنى بيتاً وسيعاً، وسوره بالنباتات، والأشجار، وشق القنوات والسواقي والجداول التي أوصلت إليه الماء العذب من النهر العظيم المنحدر من الجبل الشيخ  الذي نراه من هنا، من جبل قرنطل! وعاش وحيداً كيما يزود بحر (أريحا) بالملح كي لا يستفيد خصومه الذين هبطوا معه ، من خيرات هذا البحر، وكي لا تأتيه الطيور، وكي لا تعيش فيه حيوانات البحار، لقد عاش وحيداً في بيته الوسيع، مع نباتاته وأشجاره التي كانت تعيش على ماء النهر العذب! لكن خصومه عرفوا مكانه، مثلما عرفوا أفعاله، لذلك طاردوه في مكانه، ورجموا بيته، وقطعوا أشجاره، وحرقوا نباتاته، فما كان منه إلا أن استخدم قوته، فحرق ماء البحر! الذي ظل سنوات وسنوات يحترق، حتى اسود كل شيء.. الماء، والصخر، والقاع، وصار رماد الحرائق طيناً أسود، وتبخر الماء، حتى تجلت ضفاف البحر، وبدت صخوره، وأعماقه، وقيعانه، فكان كل شيء فيه أشبه بالفحم سواداً ويباسا، لأن اللعنة كانت لعنته، وبات البحر ارضاً سوداء مقفرة، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ثم تغيرت الحال، وصدقت نبوءة كبير عرافي الجبل (طمون) بأن الماء سيعود إلى البحر ثانية بعد سبعين سنة، ولكنه سيظل ماء مالحاً، وانه سيعيش إلى وقت امتلاء البحر بمائه، وعندئذ ستكون هذه علامة على دنو أجله .

هامش (1)

قالت الراهبة (نعمة) أيضاً: قرأت في الكتاب، أن الأرض التي ستمسها أقدام الهابطين، ستكون ملعونة، ومنها أرض (رويحة) أو (أريحا)، وأن السماء الشفوق الرحيمة، ما أرادت للخصوم أن يهبطوا جميعاً هنا فوق أرضها، بل جعلتها مكاناً لهبوط اثنين منهم فقط، أحدهما كان راعياً للماء، والحيوانات، والأشجار المائية، والثاني كان راعياً للبراري، والمروج، والأودية، والحقول، والأشجار، والحيوانات البرية، والناس الذين اجتمعوا هنا، تزوجوا، وتناسلوا، وبنوا بيوتهم، وحرثوا حقولهم، وزرعوها، فصار للمكان قراه، وغدت قرية (رويحة) أكبر القرى، لأن أهلها زرعوا كل شيء، زرعوا قصب السكر، والنخيل، والزيتون، والبرتقال، والنخيل، والتوت، والخروب، والقمح، والذرة، فصار لها أسواقها، ودروبها التي حملت غلال مواسمها إلى البلاد القريبة والبعيدة، وعادت دروبها بغلال جديدة لا تعرفها القرية!

وتوافد الناس، قدوماً، إلى هنا طالبين غلال (رويحة)،  وفي كل الأوقات، حتى إن ملح بحرها صار له طلابه الكثر، فامتلأت الدروب بعربات الجر، والحيوانات القادمة إلى( رويحة) التي صار اسمها الشائع( أريحا) بعدما اتسعت رقعة بيوتها، وأسواقها، وكثرت غلالها، وتعددت ساحاتها، ودروبها، وعرف أهلها رغد الحياة.

قلت: أبسبب هذا كله..الحرارة، هنا، عالية، يا أختاه!

قالت: إنها لعنة النار، إذ ما زالت النار موقدة في مكانين هما: بحر( أريحا)، وجبالها! فكل القيعان، في هذين المكانين، وهي مديدة وواسعة جداً، هي وقيدة نار؛ قيعان بحر( أريحا) ثمارها الملح الذي يفر من حماوة النار، وقيعان جبل( أريحا) ثمارها الحجارة التي تفر من غضب الغليان.

 وأضافت، لقد أكرمت السماء هذه الأرض حين لم تجعل اللعنة عامة شاملة لكل مساحات هذه الأرض التي ترينها، يا أختاه، من هنا، من جبل قرنطل، لقد أصابت اللعنة( بحر أريحا)، وجبالها، وقطعاً من ترابها، لهذا عمّهما السواد والقحط! أما حيوانات( أريحا) فقد فرت هاربة، وهي لا تدري ما الذي جعلها تفر، وعجزت الأرض عن إنبات أي شيء، فلا نباتات برية، ولا أشجار، ولا أعشاب، ولا ورود، ولا أشواك  نبتت، ولا طيور..جاءت إليها! وحين زرع الناس ، لم تخرج الزروع،  فقيل إن مخلوقات داخل التراب أكلت ما بذروه، وقد أعادوا المحاولة مرات طوال سنوات، لكن الأرض ظلت عاجزة، ميتة، مع أنهم جروا المياه العذبة  إليها من النهر الطويل  الهابط مندفعا، فغمروها، لكن الأرض لم تنبت شيئاً! لا عشباً ولا أشجاراً، فما كان أمامهم إلا أن قشطوا التراب العاجز الميت، ورموه في قيعان بحر( أريحا)، ثم جاؤوا بتراب جديد، ظلوا يفرشون الأرض به طوال سنوات، وغمروه بماء النهر طوال سنوات  أيضاً،  إلى أن صارت ل( أريحا) حقولها، وأعشابها، وشجرها، وطيورها، ثم ما لبثت أن تفجرت الينابيع والغدران التي باتت لها دروبها، وصباياها حاملات الجرار في الذهاب إليها ، والإياب منها!

هامش) ٢)

نامت الراهبة (نعمة) دهمها نعاس ثقيل، فصمتت!

 فما كان مني إلا أن غطيتها بلحافها الثقيل خوفاً من برد جبل قرنطل، فبردهـ  (مبارد)  فعلاً!

في الليلة التالية، ومن دون أن أسألها، قالت لي معتذرة: سامحيني يا أختاه، لم أكمل حديث التراب، في ليلة الأمس.

قلت: نعم، يا أختاه، هم جاؤوا بالتراب..لكن من أين؟ قالت: من الأرض نفسها! حفروا عميقاً حتى اختفى التراب الميت، واختفى لونه الأسود ، حتى صارت الأرض أكثر انخفاضاً من مستوى ارتفاع البحر، وهذه معجزة، أن يكون مكان البحر، أعلى من الأرض، ولم يتوقفوا عن الحفر، ونقل التراب الميت العاجز، من مكان إلى آخر، إلا عندما مرّ  بهم رحالة، قالوا لهم، إن  حفرتم أكثر، ستصير الأرض هنا مكاناً منخفضاً تتجمع فيه الأمطار، وسوف تغدو مكاناً غير صالح لإقامتكم! ففكروا بما قاله الرحالة القادمون من  الغرب، ولم يقتنعوا بما قالوه، ولكنهم كفوا عن الحفر فعلاً، عندما جاء رحالة آخرون من بلاد النهرين، فأخبروهم بأنهم يعيشون والماء إخوة من آلاف السنين، هم وأشجارهم ، وزروعهم، وحيواناتهم ، وطيورهم، فالحياة مع الماء مفترج، وبشارة خير، وأن ما حفروه يكفي، وعليهم أن يغسلوا التراب، ويملحوه! وعراف الجبل(طمون( قال لهم: دعكم..مما يقال، احفروا حتى تظهر لكم ديدان الأرض! وهذا ما أخذوا به، وفعلوه!

لقد حفروا، طوال وقت مديد، حتى تغيّر لون التراب، وحتى ظهرت الديدان فعلاً، عندئذ زرعوا، فصارت لهم زروعهم ، ففرحوا، وأقاموا عيداً، سموه (عيد التراب)، عندئذ قال شيوخهم لشبانهم: أريحوا، لقد انتهى التعب!

Hasanhamid5656@gmial.com