"التوجيهي" .. اختبار استثنائي في سنة عصيبة

جنين - الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- خرج أحمد إبراهيم، من قاعة امتحانه الأول في الثانوية العامة، في ريف جنين الغربي، ويقول لـ"الحياة الجديدة" إن "التوجيهي" الذي يتقدم له، يتزامن مع عام عصيب على جنين ومخيمها وريفها.
ويخشى الطالب، الذي يخطط لدراسة القانون، ألا تمر الاختبارات بهدوء، بفعل الاستيطان الذي صار يتمدد في المدينة ومحيطها وريفها.
ومن منظور الطالبة نجود عادل، فإن الامتحان يأتي في ظرف حرج، خاصة بعد إعادة احتلال بيتها في مخيم جنين، منذ 21 كانون الثاني 2025، وتدمير الكثير من منازل أهله.
وتفيد بأنها كانت تطمح أن تتقدم للامتحان في منزلها، وسط المخيم، لكن نزوحها إلى سكنات الجامعة العربية الأمريكية، جنوب المدينة، جعلها تخسر الكثير مما كانت تحلم به، خاصة أن مدرسة الزهراء كانت قريبة من بيتها.
ويشير مدير عام التربية والتعليم في جنين، طارق علاونة إلى أن الامتحان يجري للعام الثاني في ظل استمرار منع طاقم المديرية من العمل فيه، بفعل قربه من المخيم.
ويبين أن إعادة احتلال المدينة حال دون عقد الامتحان في مدرستي الزهراء الثانوية، وبرهان الديم العبوشي، كما جرى في قاعة واحدة خلف جدار الضم والتوسع العنصري، في بلدة برطعة الشرقية، غرب جنين.
ويؤكد علاونة لـ"الحياة الجديدة" أن الأمور سارت بسلاسة وهدوء، في جلسة اليوم الأول، ولم يحدث ما يعكر صفو الامتحان.
وتتوزع القاعات على 34 موقعًا في مديرية جنين، تضم 2133 طالبًا، و650 إداريًا ومراقبًا.
ويتمنى علاونة، الذي يتابع شؤون مديريته من مكتب بديل مكتظ، أن يكتمل الامتحان دون أية تعقيدات.
ويفيد مدير عام التربية والتعليم في تربية قباطية أحمد جرارعة بأن 2314 طالبًا تقدموا للامتحان في المناطق التابعة للمديرية، توزعوا على 38 قاعة، يديرها أكثر من 600 موظف، بينها قاعات في سيلة الظهر وعرابة، جنوب جنين، ومواقع متاخمة عاد المستوطنون إليها منذ الربيع الماضي.
ويقول لـ"الحياة الجديدة" إن الامتحان سار كما خطط له، ولم تقع أية أحداث استثنائية، وأحيط الاختبار بجو من الارتياح بين الطلبة
ويأمل جرارعة أن يتواصل "التوجيهي" على أكمل وجه، حتى 8 تموز المقبل، خاصة في ظل العدوان المتواصل، وعودة المستوطنات، التي أخليت قبل 21 عامًا.
ويلخص مدير عام التربية والتعليم في طوباس والأغوار الشمالية، عزمي بلاونة، واقع الامتحان في محافظة تعيش واقعًا مريرًا، بسبب الهجمات الاحتلالية والاستيطانية.
ويقول لـ"الحياة الجديدة" إن 1223 طالبًا تقدموا للجلسة الأولى، بينهم 60 طالبًا استحدثت المديرية لهم قاعتين في بردلا وعين البيضاء في الأغوار الشمالية، للحيلولة دون عرقلة حواجز الاحتلال لعبور الطلبة من حاجز تياسير.
ويعود المعلم المتقاعد، عبد اللطيف أبو مطاوع، إلى أجواء الامتحان في طوباس صيف 1966، ويقول إن امتحان اللغة العربية كان يعقد بجلستين: صباحية، ومسائية في يوم واحد.
ويستذكر أن الأسئلة كانت كلها إنشائية، ولم تتعد نسبة النجاح 45%، فيما كانت العلامات متدنية، وكان الأول في الفرع الأدبي من رفق صفه بنابلس، بمعدل 81 فقط، وكانت الإجابات ترسل إلى عمان، للتصحيح في مراكزها بشكل مركزي.
ويوضح بأن أبناء جيله، بعد عام، لم يتمكنوا مع إكمال الامتحان، إذ قطعت أحدث النكسة تقديم امتحان الثانوية العامة.
ويقول إن نتائج الامتحان كانت تبث عبر المذياع، وتنشر بالأسماء في الصحف، ولم يتعد عدد الناجحين في طوباس 11.
ويؤكد أبو مطاوع، الذي ساهم لاحقًا في وضع أسئلة امتحان التاريخ، إن "التوجيهي" كان يحظى بمكانة مختلفة اجتماعية واقتصادية، فمن يعبره يوظف معلمًا، دون دراسة جامعية، وقبلها يحظى بالكثير من الغناء والبهجة.
ويشير إلى أنه تعين عام 1968 بنصف مركز، براتب 12 دينارًا، ثم رقي إلى معلم كامل بأجر 24 دينارًا.
ويشير عضو الهيئة الاستشارية للائتلاف والحملة العربية للتعليم، ومنسق تعاونية "تعلم وتعليم الكبار" في جنين، نسيم قبها إلى أن المؤسسة الرسمية تصنع من الامتحان طقساً مقدساً، ومن النجاح خلاصاً، ومن الرسوب سقوطاً أبدياً. أما المؤسسة غير الرسمية، فتضاعف الهالة، وتحوّل الامتحان إلى ساحة حرب، حيث تُختزل قيمة الإنسان في رقم، وتُصادر فرديته في مشروع جماعي للتفوق.
ويقول لـ"الحياة الجديدة": نخاف أن يصادر الامتحان هويتنا، ونخشى أن يختزل مستقبلنا في ورقة، وأن يحكم علينا بالدونية لأننا لم نُحفظ ما لم نحبه. هذا القلق ليس مرضاً نفسياً فقط، إنه تعبير عن اغتراب عميق؛ اغتراب الذات عن موضوع معرفتها، واغتراب الطالب عن سياقه الوطني والنضالي الذي يستحق أكثر من ثانوية رسمية.
ويواصل: القلق الذي نزرعه في أبنائنا ليس نتيجة صعوبة الأسئلة، بل نتيجة فخامة التهديد: "إن لم تنجح، فأنت لا شيء". وهذه جريمة تربوية بامتياز. فالتربية الحقة لا تهدد، بل تحرر. لا تصنع خوفاً، بل تزرع فضولاً. لا تقيس الإنسان بقدرته على التكرار، بل بقدرته على التساؤل.
ويرى بأن البعد النفسي "كارثة صامتة"، ويشبهه بـ"اكتئاب المراهقين، وليالي الأرق، وتسارع الخفقان، والشعور بالفشل المسبق".
ويعتقد قبها أن المتقدمين للامتحان يدفعون ثمن نظام يقيس كفاءة المؤسسة لا كفاءتهم. هم ضحايا فلسفة القياس الكمي في زمن يحتاج إلى فلسفة المعنى.
ويعتقد بأن امتحان الثانوية العامة ليس نهاية العالم، بل هو بداية وعي جديد. فالنجاح الحقيقي ليس تفوقاً في مادة، بل قدرة على مواجهة الحياة بكل تناقضاتها.
ويضيف: فلسطين تحتاج إلى شبان لا يخافون الامتحانات، بل يخافون ألا يكون لهم رأي في زمن يحتاج إلى رأي، وتحتاج إلى من يرى في الامتحان محطة، لا سجناً أبدياً.
وينهي قبها: أيها الطالب، أنت لست درجة في سجل، أنت قصة تُكتب. لا تدع القلق يسرق منك بهجة المعرفة، ولا تدع المؤسسات تصادر حلمك. امتحانك اليوم هو امتحان وجودك في عالم يريدك أن تكون نسخة، بينما أنت مدعو لأن تكون أصلا. حرّر نفسك من وهم الامتحان، وستجد أن المعرفة الحقيقية تبدأ حيث ينتهي الخوف.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يعطل التعليم الوجاهي في 66 مدرسة بالخليل
الاحتلال يهدم منزلا في الرام شمال القدس المحتلة
أزمة مرورية خانقة على طريق قلنديا شمال القدس بفعل تضييقات الاحتلال
أزمة مرورية خانقة على طريق قلنديا شمال القدس بفعل تضييقات الاحتلال
الاحتلال يعتقل 11 مواطنا من محافظة نابلس
في اليوم السادس للعدوان على الخليل.. 5 آلاف مواطن يلاحقهم النزوح والحصار
"خرم الإبرة" في نابلس.. مدينة يتسع وجعها كلما ضاق الطريق
كرفان صحي متنقل في طولكرم.. مبادرة تحمل الأمل للنازحين وتفتح نافذة للرعاية والتوعية