اتفاق للخروج من الأزمة
باسم برهوم

الولايات المتحدة، وليس الرئيس ترمب وحده، لا تريد حروبا طويلة تستنزفها، فهامش ميزان القوى الدولي لم يعد يسمح بمثل هذه المطولات الحربية، كما حصل في العراق وأفغانستان التي استهلكت تريليونات الدولارات دون أي مكاسب حقيقية.
كان لدى ترامب وأركان إدارته اعتقاد أن الحرب مع إيران لن تستمر أكثر من أسابيع، ضربات خاطفة مؤثرة ثم ننتظر التحول من داخل النظام الإيراني أو من خارجه، وقبل أن يمر وقت طويل اتضح أن النظام لن يسقط بهذه السرعة، كما أن التحولات من داخله تحتاج إلى وقت أطول وظروف مختلفة. ونتذكر بهذا الشأن ما ردده ترمب نفسه خلال الحرب "أن مجتبي خامنئي أكثر تطرفا من والده"، بمعنى أنه تم التخلص من متطرف ليحل محله شخص أو أشخاص أكثر تشددا.
ولكن بقاء النظام من عدمه، أو إن كان أكثر تشددا ليست هي الأزمة المقصودة، أو المأزق المقصود، إنما إغلاق مضيق هرمز هو الورطة الحقيقية، لأن بإمكان الولايات المتحدة أن تحاصر الموانئ الإيرانية لعدة شهور أخرى لينتظر مدى تأثير ذلك على الداخل الإيراني، إلا أن الأمر يتعلق باقتصاد عالمي، فمنذ عدة أسابيع فإن أقصى ما كان يريده ترمب هو اتفاق مؤقت يعيد فتح مضيق هرمز. وهو حقق ذلك في التوقيت المناسب بالتزامن مع انعقاد قمة الدول الصناعية السبع الكبرى "G 7"، والتي يحتاح دعمها في المستقبل لضمان أمن هرمز وحرية الملاحة فيه.
لا أميل كثيرا للمبالغة بفكرة أن نتنياهو أو إسرائيل قد ورطت ترمب والولايات المتحدة في حرب لم تكن تريدها، فهذا تبسيط للأمور، وكأن الولايات المتحدة لا تملك أقوى أجهزة تجسس ومراقبة في العالم. وبعيدا عن منكفات المعارضين وكتاب الرأي اليساريين في إسرائيل، فإنني أميل إلى فكرة أن إسرائيل هي الأخرى تريد هدنة من الحروب، فهي بلا شك أنهكت من حروب خاضتها على امتداد ثلاث سنوات تقريبا، وهي بحاجة للتوقف وإعادة إنعاش جيشها، ووضع رؤى وإستراتيجيات، وإضافة أنواع جديدة من الأسلحة.
السبب في ترجيح هذا الاعتقاد، هو أن إسرائيل دولة حرب، فهي بحاجة إلى جولات من الحروب بين فترة وأخرى، لإبقاء مجتمعها موحدا ومتيقظا، ولإثبات قوة ردعها لأعدائها القريبين والبعيدين.
ليست أميركا وحدها تعي حجم الأزمة بل إيران هي الأخرى ترى الأزمة ورطة كبيرة، فهي فقدت مقدرات عسكرية مهمة، واقتصادها منهك تماما وتواجهها مشاكل معيشية لا حصر لها، هي بحاجة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء ما تهدم. صحيح أن النظام حافظ في الإطار العام على وجوده، لكنه تلقى ضربة قوية، وهو الآخر بحاجة إلى ترميم نفسه، ثم علينا أن ننتظر، فقد يكون هناك تيار داخل هذا النظام ينظر بأهمية خاصة لإقامة علاقات قوية مع الولايات المتحدة الأميركية، وإلى طي صفحة العقوبات المنهكة.
ثمة حاجة هنا أن نرى الأشياء كما هي دون أن تأخذنا العواطف لهذا الاتجاه أو ذاك. فهناك ضرورة لأن ننظر للاتفاق الحالي بحجمه الطبيعي، بأنه اتفاق مؤقت للخروج من الأزمة لكلا الجانبين، ومن ثم وبما يتعلق بالملفات الصعبة، كالملف النووي، والملف الصاروخي، وأذرع إيران في المنطقة، فكما يقول المثل "يحلها الحلاّل"، المهم الآن الخروج من المأزق.
أما فيما يتعلق بالادعاءات، فقد ترك الاتفاق المؤقت هامشا لكل منهما ليدعي أنه انتصر وتغلب على الآخر، وكلا الطرفين بحاجة لهذه الادعاءات، النظام في إيران، وكما هو واضح منقسم على نفسه، وبالتالي من مصلحة كل تيار تسويق الإتفاق بما يتلاءم مع توجهاته.
المفاوضات التي ستبدأ ولمدة 60 يوما هي الفيصل بما يتعلق بالملفات الإستراتيجية، وعندها سنقرر من الذي خرج من هذه الحرب منتصرا فعلا، إلا إذا اختار الطرفان المراوحة من جديد ليبقى الجرح مفتوحا بينهما.
إلا أن المرجح أن يكون هناك تيار في إيران أكثر رغبة في استرجاع مئات المليارات الإيرانية المحتجزة، ووقف مسلسل العقوبات، والأهم الرغبة في أن تمتلك طهران علاقة قوية مع واشنطن. خصوصا إذا صدق القول بأن الولايات المتحدة ودولا أخرى تريد استثمار مبلغ 300 مليار دولار في مشاريع لإعادة بناء إيران.
مواضيع ذات صلة