حين تتحول الإشارة إلى صوت.. لاما حماد تفتح أبواب التواصل أمام الصم في فلسطين
صدفة جامعية قادتها إلى عالم الصم.. فاختارت أن تكون جسرًا بينهم وبين المجتمع

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم تكن لغة الإشارة ضمن الخطط الأكاديمية أو المهنية لـ لاما حماد، التي درست الإدارة التقنية بتخصص فرعي في التسويق في جامعة فلسطين التقنية خضوري، قبل أن تنال درجة الماجستير في العلاقات العامة المعاصرة من الجامعة العربية الأمريكية، وتواصل حالياً دراسة الدكتوراه في الاتصال الاستراتيجي والعلاقات العامة والإعلان في جامعة برشلونة المستقلة.
لكن، كما تقول لـ"الحياة الجديدة"، فإن أكثر التحولات تأثيراً جاءت من حيث لا تتوقع. ففي سنوات الدراسة الجامعية التقت بطالبتين من فئة الصم كانتا تعيشان عزلة نسبية داخل الحرم الجامعي بسبب غياب أدوات التواصل. يومها لم تكن تعرف أي شيء عن لغة الإشارة، لكنها قررت الاقتراب منهما عبر الملاحظات المكتوبة والرسائل القصيرة، لتكتشف عالمًا كاملاً من الطموحات والأفكار التي لا تختلف عن أحلام أي طالب آخر.
تلك التجربة الصغيرة غيّرت مسار حياتها بالكامل. فبدلاً من النظر إلى الصمم بوصفه عائقًا، بدأت ترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الحواجز التي يصنعها المجتمع حين لا يوفر وسائل تواصل عادلة. ومن هنا بدأت رحلتها مع لغة الإشارة باعتبارها "جسراً بين عالمين يفترض أنهما جزء من مجتمع واحد".
لغة الإشارة ليست ترفًا
تؤكد لاما لـ "الحياة الجديدة" أن اللحظة التي أدركت فيها أن لغة الإشارة قضية حقوقية وليست مجرد أداة تواصل، كانت عندما شاهدت أشخاصاً صماً يُستبعدون من خدمات وقرارات تمس حياتهم فقط لأن المعلومات غير متاحة بلغتهم.
وترى أن غياب مترجمي لغة الإشارة لا يعني صعوبة في التواصل فحسب، بل ينعكس مباشرة على حقوق أساسية، بدءاً من فهم التشخيص والعلاج في المستشفيات، مروراً بحق التقاضي العادل في المحاكم، ووصولاً إلى التعليم الجامعي والتنقل اليومي. وتضيف أن القضية يجب أن تُفهم باعتبارها حقاً أصيلاً في الوصول إلى المعرفة والمشاركة والكرامة الإنسانية.
بين التهميش والاندماج
خلال عملها كمترجمة لغة إشارة، واجهت لاما مواقف إنسانية لا تزال عالقة في ذاكرتها، خصوصاً عندما ترى شخصاً أصم يحاول شرح احتياجاته في مؤسسة رسمية أو في الشارع دون أن يجد من يفهمه.
وتقول إن وجود مترجم لغة إشارة قد يصنع الفارق بين التهميش والاندماج، خاصة في المحطات المفصلية مثل الامتحانات الجامعية، ومناقشات التخرج، ومقابلات العمل، واللقاءات الرسمية. ففي تلك اللحظات، يتحول الشخص الأصم – بحسب وصفها – من "متلقٍ صامت" إلى مشارك قادر على التعبير عن رأيه وطرح أسئلته بثقة.
الجامعات الفلسطينية.. تحديات وحراك
وتلفت لاما إلى أن الطلبة الصم في الجامعات الفلسطينية ما زالوا يواجهون تحديات حقيقية بسبب محدودية خدمات الترجمة والدعم الأكاديمي، معتبرة أن غياب الترجمة يحول التحدي من أكاديمي إلى اتصالي.
ومن هنا جاءت مبادرة "لتسمع صمتي افهم لغتي" التي أطلقتها عام 2015، التي ساهمت – وفق قولها – في رفع مستوى الوعي المجتمعي بلغة الإشارة وقضايا الأشخاص الصم، سواء بين الطلبة أو المؤسسات أو وسائل الإعلام.
وخلال الجولات التي نفذتها المبادرة داخل الجامعات، فوجئت بردود فعل كثير من الطلبة الذين كانوا يعتقدون أن التواصل مع الأشخاص الصم معقد، قبل أن يكتشفوا أن الحاجز الحقيقي يكمن في الخوف من المبادرة إلى التواصل. كما لاحظت تحولاً تدريجيًّا لدى بعض الإدارات الجامعية التي بدأت تنظر إلى لغة الإشارة كجزء من مسؤولية الجامعة تجاه بناء بيئة تعليمية أكثر شمولاً.
من الشفقة إلى الحقوق
وترى لاما أن المجتمع الفلسطيني شهد تطورًا ملحوظًا في الوعي تجاه الأشخاص الصم، لكنه ما زال بحاجة إلى الانتقال من النظرة العاطفية القائمة على الشفقة إلى النظرة القائمة على الحقوق والقدرات.
وتشدد على أن الصم لا يحتاجون إلى معاملة استثنائية، بل إلى بيئة عادلة تتيح لهم التعلم والعمل والمشاركة الكاملة في المجتمع.
الإعلام الفلسطيني.. شريك غائب أحيانًا
وتؤكد لاما أن الإعلام الفلسطيني شريك أساسي في تحقيق الدمج، إلا أن حضور الترجمة بلغة الإشارة ما زال محدودًا في كثير من النشرات والبرامج والتغطيات الطارئة.
وتعتبر أن المشكلة لا ترتبط بغياب القناعة بأهمية لغة الإشارة بقدر ما ترتبط بغياب السياسات الملزمة، إذ لا تزال بعض المؤسسات تتعامل مع الترجمة بوصفها خيارًا إضافيًّا لا جزءًا من حق الوصول إلى المعلومة.
وتوجّه رسالة واضحة للمؤسسات الإعلامية والرسمية ومؤسسات المجتمع المدني قائلة: "لا تتحدثوا عن الأشخاص الصم فقط، بل تحدثوا معهم"، مؤكدة أن أي سياسات أو مبادرات لا يمكن أن تنجح دون إشراك الأشخاص الصم أنفسهم في تحديد احتياجاتهم وأولوياتهم.
تجربة غيّرت معنى التواصل
تقول لاما إن تجربتها مع لغة الإشارة أعادت تشكيل فهمها الكامل لمعنى التواصل الإنساني. فالتواصل الحقيقي – كما تصفه – لا يقوم فقط على تبادل الكلمات، بل يبدأ من الرغبة الصادقة في الفهم والاعتراف بالآخر واحترام حقه في أن يكون جزءاً من الحوار.
وتضيف أن الأشخاص الصم علموها أن الإنسان قد يسمع كل الكلمات من حوله لكنه لا يُنصت للآخرين، بينما يستطيع شخص لا ينطق كلمة واحدة أن يمتلك قدرة كبيرة على التعبير والتأثير وبناء العلاقات.
تشريع يضمن الحقوق
وعن الخطوة الأكثر إلحاحاً اليوم، ترى لاما أن بناء منظومة متكاملة هو الطريق الوحيد لضمان حق الأشخاص الصم في التواصل والمشاركة والوصول إلى المعلومات، إلا أنها تعتبر أن وجود إطار قانوني واضح يشكل نقطة الانطلاق الأساسية.
القوانين، بحسب رأيها، لا تحمي الحقوق فقط، بل تنقلها من المبادرات الفردية إلى الالتزام المؤسسي المستدام، بما ينعكس لاحقاً على التعليم والإعلام والخدمات العامة.
وتختم حديثها لـ"الحياة الجديدة" بالتأكيد على أن قوة أي مجتمع لا تقاس بعدد القوانين أو المبادرات التي يطلقها، بل بقدرته على ضمان ألا يُترك أي فرد خارج دائرة التواصل والمشاركة.
مواضيع ذات صلة
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 73,032 والإصابات إلى 173,357 منذ بدء العدوان
مستعمرون يتلفون خطا ناقلا للمياه شرق طمون
7 شهداء في قصف الاحتلال جنوب لبنان بينهم فلسطينيان
الاحتلال يعتقل سبعة مواطنين من محافظة رام الله والبيرة
أجواء مريحة ورسائل تفاؤل: طلبة طولكرم يجتازون أولى محطات الثانوية العامة بثقة
"التوجيهي" .. اختبار استثنائي في سنة عصيبة
ارتياح في أوساط طلبة بيت لحم بعد أولى جلسات "الثانوية العامة"