عندما تصبح الكرة قدماً بديلة: أطفال غزة وإعادة اختراع الحياة
لما عواد

لم يكن الطفل محمد سعيد شعبان، ابن السنوات التسع، يركض خلف كرة القدم كما يفعل أقرانه فحسب؛ كان يركض خلف حقه الطبيعي في أن يكون طفلاً. وبينما تتزاحم صور الدمار والخراب القادمة من غزة على شاشات العالم، برز مشهد صغير يحمل من الدلالات ما قد يفوق آلاف التقارير والإحصاءات: طفل فقد ساقيه وإحدى يديه، لكنه لم يفقد رغبته في اللعب.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى قصة ملهمة عن الإرادة والتحدي، لكنه في جوهره يكشف طبقات أعمق من الواقع الفلسطيني في غزة. فمحمد لا يلعب في ملعب مجهز، ولا يستفيد من برامج تأهيل متخصصة، ولا يعيش في بيئة تراعي احتياجات الأطفال ذوي الإعاقة. إنه يلعب في فضاء صنعته الضرورة أكثر مما صنعه التخطيط، وبين خيام النزوح أكثر مما بين ساحات الطفولة.
اللعب بوصفه مقاومة نفسية
في الأدبيات النفسية، لا يُنظر إلى اللعب باعتباره ترفاً أو نشاطاً هامشياً، بل بوصفه حاجة أساسية من حاجات النمو وآلية جوهرية للتكيف مع الأزمات. فالأطفال الذين يعيشون الحروب والكوارث يلجؤون إلى اللعب لإعادة تنظيم عالمهم المضطرب واستعادة شعورهم بالأمان والسيطرة على ما يمكن السيطرة عليه.
في غزة، حيث فقد آلاف الأطفال منازلهم ومدارسهم وأفراداً من عائلاتهم، تجاوزت كرة القدم حدود الرياضة لتصبح مساحة مؤقتة يستعيد فيها الطفل هويته الإنسانية. ففي لحظة اللعب، لا يكون الطفل نازحاً أو مصاباً أو ضحية حرب؛ بل يكون طفلاً فقط.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس كيف استطاع محمد أن يلعب رغم إعاقته، بل كيف استطاع أن يحافظ على رغبته في اللعب رغم كل ما تعرض له من فقدان واقتلاع وعدم يقين.
من بتر الأطراف إلى بتر الفرص
غير أن القصة لا تتعلق بالبتر الجسدي وحده. فحرب الإبادة لا تقتصر آثارها على الأجساد، بل تمتد إلى الفرص والمسارات المستقبلية. إنها لا تبتر الأطراف فقط، بل تبتر التعليم، والتنقل، والمشاركة الاجتماعية، وفرص العمل والحياة الكريمة.
حين يُحرم طفل من التعليم المنتظم، أو يفقد وسيلة الحركة التي يعتمد عليها، أو يعيش في بيئة تفتقر إلى خدمات التأهيل والدعم النفسي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحاضره، بل بمستقبله أيضاً. ماذا يحدث عندما يتحول طفل مبتور الأطراف إلى شاب في مجتمع يواجه أصلاً تحديات اقتصادية وتنموية هائلة؟ وكيف يمكن ضمان اندماجه وحقه في المشاركة الكاملة في الحياة العامة؟
إن معاناة مبتوري الأطراف لا تنتهي عند غرفة العمليات، بل تبدأ منها. فالتأهيل الجسدي والنفسي، وتوفير الأطراف الصناعية، وإتاحة الوصول إلى التعليم والخدمات والبنية التحتية الملائمة، جميعها عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت الإصابة ستبقى تحدياً يمكن تجاوزه أم ستتحول إلى شكل طويل الأمد من الإقصاء.
البطولة التي لا ينبغي أن تكون ضرورية
يميل الإعلام والجمهور إلى الاحتفاء بقصص "الأبطال الصغار" الذين يتغلبون على الظروف القاسية. ورغم أهمية هذه القصص في بث الأمل، فإنها تطرح سؤالاً أخلاقياً لا يقل أهمية: لماذا يُطلب من الأطفال أن يكونوا أبطالاً أصلاً؟
ليس من الطبيعي أن يضطر طفل فقد ساقيه إلى امتلاك قدرات استثنائية كي يحظى باهتمام العالم. الطبيعي أن يحصل على حقه في العلاج والتعليم والحركة واللعب بوصفها حقوقاً أساسية لا امتيازات استثنائية.
لذلك، عندما نحتفي بمحمد، ينبغي ألا يكون الاحتفاء بقدرته على التكيف مع واقع غير عادل، بل بإصراره على التمسك بالحياة رغم هذا الواقع. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يوجّه هذا المشهد أنظارنا إلى مسؤولية العالم تجاه الأطفال الذين لا ينبغي أن يكونوا مضطرين لإثبات قوتهم في كل يوم من أجل الحصول على أبسط حقوقهم
تكشف قصص الأطفال في غزة عن حقيقة إنسانية لافتة: فكلما ضاقت مساحة الحياة، ازدادت الحاجة إلى ابتكار أشكال جديدة للعيش. وبين الأنقاض وخيام النزوح، يواصل الأطفال البحث عن مساحات صغيرة للأمل، وكأنهم يعلنون أن الحياة لا تستسلم بسهولة.
غير أن هذه القدرة على التكيف لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قبولاً بالواقع أو اعتياداً عليه، بل باعتبارها تعبيراً عن نزعة إنسانية عميقة نحو البقاء. فالطفل الذي يركض خلف كرة في ظروف قاسية لا ينكر المأساة، بل يؤكد أن إنسانيته ما زالت أقوى من محاولات سلبها.
وربما لهذا السبب تتجاوز قصة محمد حدود الحكاية الفردية. فهي ليست قصة طفل يلعب كرة القدم رغم إعاقته، بل قصة مجتمع بأكمله يحاول، وسط الخسارات المتراكمة، أن يعيد اختراع الحياة كل يوم. ففي غزة اليوم، لا تمثل كرة القدم مجرد لعبة، بل تصبح أحياناً قدماً بديلة، ونافذة للأمل، وإعلاناً يومياً بأن الحياة، مهما ضاقت، ما زالت قادرة على إيجاد مساحة لها بين الركام.
مواضيع ذات صلة
هل ستغلب عقلية الاستثمار بالسلام ..؟!
..لقد انتهى التعب! قالت الراهبة (نعمة) لي:
تسريب الأراضي بين مسؤولية الأجهزة الأمنية وغياب التغطية
عندما تصبح الكرة قدماً بديلة: أطفال غزة وإعادة اختراع الحياة
الدولة الفلسطينية بين انهيار اليمين المتطرف ووصول يمين الوسط في انتخابات الكنيست المقبلة!
اتفاق للخروج من الأزمة
الدبلوماسية الرقمية الرياضية.. كأس العالم 2026