عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 حزيران 2026

تسريب الأراضي بين مسؤولية الأجهزة الأمنية وغياب التغطية

مريم شومان

في المشهد الفلسطيني قد تختلف المواقف السياسية وتتباين القراءات تجاه أداء المؤسسات الحكومية، لكن هناك قضايا يفترض أن تبقى فوق الاستقطاب والاصطفاف وفي مقدمتها قضية تسريب الأراضي، لذلك فإنّ الإعلان عن إحباط  جهاز المخابرات العامة الفلسطينية مؤخرا لمحاولة تسريب قطعة أرض بمساحة 77 دونما في قرية السافرية لصالح جهات تتعامل مع الاحتلال وجمعية "إلعاد" الاستيطانية المتطرفة كان يفترض أن يثير نقاشا وطنيا واسعا لا بوصفه خبرا أمنيا عاديا بل باعتباره حدثا يمسّ أحد أكثر الملفات الحساسة في الوجدان الفلسطيني.

غير أن ما حدث كان العكس تقريبا، فالخبر الذي يتعلق بحماية الأرض ومنع تسريبها إلى جهات استيطانية مرّ بهدوء لافت، ولم يحظ بالحد الأدنى من التغطية أو النقاش الذي يتناسب مع أهميته وخطورته باستثناء بعض المنصات والصفحات المحدودة.

وهنا يبرز سؤال مشروع يستحق التوقف عنده وهو كيف يمكن لقضية بهذا الحجم أن تتراجع إلى الهامش بينما تتصدر قضايا أقل أهمية المشهد الرقمي لساعات وأيام وربما أسابيع؟

لا يتعلق الأمر هنا بتوجيه الاتهامات أو التشكيك في النوايا بقدر ما يتعلق بمحاولة فهم آليات تشكل الوعي العام الفلسطيني في عصر المنصات الاجتماعية، فمن يتابع الفضاء الرقمي يلاحظ أن جزءا كبيرا من التفاعل بات محكوما بمنطق الإثارة والصدام، الأخطاء تتصدر المشهد بسرعة قياسية والشائعات تجد طريقها إلى الانتشار بسهولة، وأي خبر يحمل طابعا جدليا يتحول إلى مادة خصبة للتداول والتعليق والمشاركة، أما الأخبار المرتبطة بالانجازات الوطنية فتبدو في كثير من الأحيان أقل قدرة على اختراق هذا الجدار الرقمي.

المفارقة الأكثر إيلاما أن المؤسسة الأمنية الفلسطينية غالبا ما تكون في قلب هذا التناقض؛ فعندما تقع حادثة أو تُثار رواية أو ادعاء تتسابق العديد من الصفحات والحسابات والنشطاء ووسائل الإعلام إلى توجيه النقد والهجوم وإطلاق الأحكام وهو حق مشروع ما دام قائما على الوقائع والموضوعيةأحكام زهو، فيما تتدفق التعليقات السلبية والتحريضية بوتيرة عالية، لكن عندما يتعلق الأمر بإنجاز يرتبط بحماية الأرض أو ملاحقة شبكات التسريب أو حماية المصلحة الوطنية فإن المشهد بصورة لافتة وكأن المطلوب من المؤسسة الأمنية أن تكون حاضرة فقط في دائرة الاتهام وغائبة في دائرة الاعتراف بالواقع كما هو.

والحقيقة أن النقاش هنا لا يتعلق بمؤسسة بعينها بقدر ما يتعلق بفكرة الإنصاف نفسها، فالمؤسسات العامة ليست معصومة من الخطأ والنقد حق لا يجوز مصادرته، لكن العدالة تقتضي أن يكون الميزان واحدا في الحالتين: أن تُذكر الأخطاء عندما تقع وأن تُذكر الإنجازات عندما تتحقق خصوصا عندما تكون مرتبطة بحماية الأرض الفلسطينية من مخاطر التسريب والاستيطان.

ومن المؤسف أن الخطاب الرقمي السائد يتجاهل أحيانا حقيقة إنسانية ووطنية وبديهية وهي أن رجل الأمن الفلسطيني ليس كائنا منفصلا عن مجتمعه ولم يهبط من الفضاء، بل هو ابن هذا الشعب وابن المخيم والقرية والمدينة وابن كل أسرة فلسطينية تقريبا، يعيش الظروف الاقتصادية ويعاني الأزمات المالية نفسها ويحمل الهموم الوطنية ذاتها وربما أكثر، بحكم طبيعة عمله ومسؤولياته، وفي الوقت الذي يطالب فيه الفلسطينيون - بحق - بصون حقوق المعلم والطبيب والممرض وكل العاملين في القطاعات المختلفة، قلما يُنظر إلى رجل أمن من الزاوية الإنسانية نفسها رغم أنه يؤدي واجبه في ظروف معقدة وصعبة وغالبا بصمت وبلا ضجيج.

ليس المطلوب التصفيق للمؤسسات العامة لأنها قامت بواجبها، فحماية الأرض والمواطن جزء أصيل من مسؤولياتها الوطنية، لكن من غير المقبول أيضا أن يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة يتم تضخيم فيها الأخطاء وتُدفن فيها الإنجازات أو إلى منصة يُستسهل عبره التحريض على أبناء المؤسسة الأمنية والعاملين فيها والتقليل من دورهم.

وبين حق النقد وواجب الإنصاف مساحة واسعة تحتاجها القضية الفلسطينية اليوم أكثر من أي وقت مضى خاصة عندما يتعلق الأمر بملف الأرض الذي لا يزال جوهر الصراع وعنوانه الأبرز، فكما أن حكاية الأرض مسؤولية وطنية فإن حماية الحقيقة من الانتقائية وحماية الوعي العام من الاختزال والتشويه مسؤولية لا تقل أهمية في معركة الشعب الفلسطيني المفتوحة على كل الجبهات.

 بطبيعة الحال، لا تحتاج المؤسسة الأمنية إلى الإشادة حتى تؤدي واجبها ولا يفترض أن تنتظر الشكر على ما تقوم به من مهام تدخل في صميم مسؤولياتها الوطنية، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين النقد المشروع الذي يمثل حقا أصيلا للمجتمع وبين الانتقائية التي لا ترى إلا جانبا واحدا من المشهد، فالمؤسسات العامة يمكن أن تخضع للمساءلة والنقد لكن من غير المقبول أن تتحول بعض المنصات إلى ساحات دائمة للتقليل من أي إنجاز أو تجاهله بالكامل عندما لا ينسجم مع الصورة المسبقة التي جرى تكريسها.