.. النكبة!
تغريدة الصباح - حسن حميد

قالت لي الجدة، ولإخوتي: لن أنسى الكثير مما عشت، ورأيت، وعرفت، ولن أنسى الكثير مما أحببت وكرهت، وإن نسيت لن أنسى البكاء الذي ماشى حياتي منذ الولادة إلى اليوم، وها أنتم أيها الأحفاد تحصون سنوات عمري الكثيرة، وتعدون خطوط وجهي الذي جعدته الهموم!
لن أنسى دهم الإسرائيليين لنا فجراً! فقد جاءت سياراتهم البشعة المخيفة، وأحاطت بالبيت، كنا مستيقظين، فجدك، وبعد أن يصلي صلاة الفجر..لا ينام، وضجة صحو جدك، ضجة خيول لها همهمة عالية، لقد بوغتوا بجدك، يقف أمامهم، قرب أشجار حاكور البيت وأعشابها وزروعها، وسمعوه يقول لهم: خير، اللهم اجعله خيرا، يا صباح، يا فتاح، يا عليم، وعرف منهم أنهم جاؤوا يريدون والدك، يسألون بإلحاح عن (عبدو)، وأبوك اسمه (أحمد)، فيقول جدك لهم، ابني اسمه (أحمد)، وليس لي ولد اسمه (عبدو)، وهم يكررون اسم (عبدو، عبدو، عبدو)، فضاق صدر جدك بهم ذرعاً، وهم يطلبون الدخول إلى البيت لتفتيشه، وجدك يقول لهم: والله العظيم، لولا سلاحكم لبطحتكم هنا، ونازلتكم واحداً واحداً.
أنا خرجت إليهم عندما سمعت صوت جدك، وأصواتهم؛ فوقفت أمام الباب، كي لا يثور جدك أكثر، قلت لهم: تعالوا فتشوا البيت، كي تبرد أعصابكم، كنت مطمئنة، فأبوك كان في المغاور، عند كروم العنب، يبيت هناك كلما (حميت الطاسة)!
قلت لجدتي: ودخلوا، وفتشوا؟ قالت: دخلوا، وفتشوا، وعادوا خائبين إلى سياراتهم، ومضوا، جدك لف سيكارة هيشة، وأشعلها بقداحته (أم فتيلة)، وقال: لعنة الله عليهم حرقوا النهار! وأنا عدت، ودخلت إلى الدار، ورأيت ما فعلوه من خراب، وعبث، ودوس، وكسر، قلت: كسر؟! قالت جدتي: كسروا جرة الزيت! والزيت غالي على جدك وعزيز، وظللت شهوراً أبكي الزيت الذي اندلق وساح على الأرض، والجرة القرميدية، أم رقبة طويلة التي انكسرت.
يا لجدتي، ويا لذاكرتها التي تروي تفاصيل التفاصيل، وكأنها على خشبة مسرح، تروي وتحرك أصابعها، وتروي وهي تبكي، وتروي وهي تتذكر، وتروي وهي تلوم نفسها لأنها ربما نسيت شيئاً لم تذكره!
قالت، وهي تجرع بريقها، كل يوم كان لنا غصة مع الجنود الذين يأتون بسياراتهم المجنونة، وأسلحتهم المشدودة إلى صدورهم، وبوجوههم المغلقة، إن لم يأتوا في الصباح، جاؤوا في المساء، وإن لم يأتوا إلى البيت، يدهمون حقولنا التي نعمل فيها، كانوا وكلما سمعوا غناءنا في الحقول، يجنون، ويهيجون، كأن ألف عفريت عربد في دمهم! وكان جدك مثل عمود صخري يواجههم مع والدك، وأعمامك، والجيران، وكانوا هم أهل خوف، ورجفة في الأيدي والأرجل، والعيون، وأهل صفرة في الوجوه، رغم ما يحملونه من أسلحة، كانوا مفطورين على الخراب والشر، والأذى، في موسم قطاف الزيتون، يحاولون يومياً حرق أشجار الزيتون التي دلت أغصانها لثقل حمولتها، ويبعثرون أكوام الزيتون التي قطفناها، ويحرقون أكياس الخيش الفارغة والملأى بحب الزيتون، يدلقون عليها (الكاز، والبنزين) ويحرقونها، وعندئذ، ينسى جدك، وأعمامك والجيران ومن هب إلى مساعدتنا في القطاف، وننسى نحن النساء أن الإسرائيليين مدججون بالسلاح، فنهجم عليهم، وننال منهم، كانت عصي قطاف الزيتون الطويلة، والحجارة هي سلاحنا، ولقد رأيناهم مرات ومرات وهم يهربون إلى سياراتهم، وقد ابتلت ثياب بعضهم ببولهم. وتصمت جدتي، ثم تعود لتقول بأسى: كانوا يريدون الأرض أولا، وطردنا من قرانا ثانياً، لذلك جعلوا حياتنا جحيماً لا يطاق!
(جدتي كانت تدرس مع رفيقاتها في القرية، عند معلمة من بيت السعدي، من مدينة صفد، جاءت إلى القرية مع أخيها، اسمها (رشيدة)، واسم أخيها (فريد)، وعرفنا منها أنها أستاذة كانت تدرس في إحدى مدارس صفد، وقد جارت عليها وعلى أخيها الأيام، فجاءت إلى قريتنا، ومختار القرية، حامد العصمان، أعطاها غرفتين، واحدة للسكن، وواحدة لتكون مدرسة، مثل مدرسة الخطيب (التلحمي) التي يدرس فيها أطفال القرية، وقال لها: بناتنا أمانة في رقبتك، ولك ولأخيك ما لنا، من طعام وشراب، وأمان، علمي البنات الكتابة والحساب وقراءة القرآن! وقد تعلمت جدتي مثلما تعلم الكثير من أولاد وبنات قريتنا، وكادت، لولا القيل والقال، أن تذهب إلى مدينة الناصرة كي تكمل دراستها مع بعض رفيقاتها، وقد صارت المعلمة (رشيدة السعدي) وأخوها (فريد السعدي) من أهل القرية)!
قالت جدتي: وحين كثرت تفجيرات الديناميت في القرى، عشش الخوف في بيوتنا! كان الإسرائيليون يأتون في ليالي البرد الشديد ويزرعون أصابع الديناميت في أساسات البيوت، وحين يبتعدون عنها يفجرونها، قرى كثيرة عرفت مجازر كثيرة، ورغم حراسات الأهالي الليلية، كان الإسرائيليون قادرين على تفجير البيوت وتدميرها فوق رؤوس أهلها النيام، وكثرت المجازر، وصار الخوف حديث الناس!.
(باتت جدتي، تلك الليلة، ولم تكمل الحكاية لأن دمعها ملأ عينيها، وسال فوق وجهها، وهي تحدثنا عن نسف (المراح) الذي تبيت فيه أغنام وماعز وأبقار وحمير جدنا، لقد تاهت أبصار الإسرائيليين عن البيت ليلاً، لذلك زرعوا أصابع الديناميت في أساسات (المراح)، وحين انفجرت، عرفنا ما حدث! ورأينا ما يعجز الخيال عن وصفه، كانت الماشية، الأغنام، والماعز، والأبقار، والحمير، في عناق واحد مع الموت، غارقة في بركة الدم، وقد تقطعت أعضاؤها، وطارت رؤوسها، قال جدكم، لقد فدتكم الأغنام.. ونابت عنكم! يا إلهي، كم بكينا، في تلك الليلة، لأننا فقدنا كل ما امتلأ به (المراح) من الماشية، وهي، عند جدكم، عزيزة مثل الأولاد).
قالت جدتي: إن أنسى، لا أنسى وجه جدك الباكي، حين جاءت سيارات الإسرائيليين الكبيرة، سيارات الشحن، التي نقلتنا، رغماً عنا، وبعد مطاردة للجميع، في الحقول، والبيوت، والمغاور، وأجمات القصب، إلى (جسر بنات يعقوب) الذي كان قريباً من قريتنا، كي نطرد إلى القرى السورية القريبة من نهر الأردن في الضفة الشرقية. وزفرت جدتي زفرة طويلة كاوية، وانهمر دمعها، وتدلى رأسها فوق صدرها، ولفها صمت ثقيل، فناديتها وهززتها، ورفعت وجهها الغارق بدمعها، جدتي جدتي، فتحركت، وأخذت دمعها على رؤوس أصابعها، وهدأت رجفة شفتيها قليلاً. قالت: لقد اتسعت النكبة حتى صارت هي حياتنا كلها، فبعد أن غابت البيوت، والقرية، والحقول، والدروب، وأجمات القصب خلف التلال العالية.. اتسعت أذرع الحزن وامتدت، واشتدت حروق النكبة، وثقلت صدورنا.. حين غافلنا جدك، فنهض فجاة، وقفز من فوق (جسر بنات يعقوب) نحو النهر، فلحق به آخرون قافزون، من رجال القرية، فلحق به، وبهم، رصاص الإسرائيليين، وعلا الصراخ، وعلت المناداة على من قفزوا، ثم كثر عدد القافزين إلى النهر، ولم يبق فوق (جسر بنات يعقوب) سوى الأمتعة، وخرجنا من النهر إلى ضفته الغربية، لقد تعاونا..وخرجنا مبلولين، ثم عدنا إلى القرية ببطء، مثل طيور البط، بعد شوط من السباحة في النهر، ولاقتنا البيوت بأبوابها ونوافذها المفتوحة !
Hasanhamid5656@gmail.com