حسين البرغوثي.. أربعة وعشرون عاما على الغياب وحضور لا ينطفئ
مهيب البرغوثي

في الذكرى الرابعة والعشرين لرحيل الشاعر والمفكر الفلسطيني حسين البرغوثي، لا نستعيد مجرد اسم أدبي بارز، بل نستحضر تجربة إنسانية وفكرية نادرة، استطاعت أن تفتح في الثقافة الفلسطينية بابا مختلفا على الأسئلة الكبرى: الوجود، والمعنى، والحرية، والموت، والعلاقة الملتبسة بين الإنسان والعالم. حسين البرغوثي من أولئك الكتاب الذين لا يمرون مرورا عابرا، لأنهم يتركون في اللغة أثرا يشبه الندبة الجميلة، ويغادرون تاركين وراءهم أسئلة كثيرة.
تميز البرغوثي بكونه شاعرا يفكر، ومفكرا يكتب الشعر. وهذه الثنائية النادرة جعلت مشروعه الإبداعي يتجاوز التصنيفات التقليدية بين الأدب والفلسفة. ففي نصوصه، لا نجد القصيدة منفصلة عن التأمل، ولا الفكرة جافة أو مجردة، بل تتجسد في صور حسية نابضة بالحياة. كان يرى أن اللغة ليست أداة وصف فقط، بل وسيلة كشف، وأن الكتابة الحقيقية لا تعيد إنتاج العالم، بل تعيد اكتشافه وترتيبه من الداخل.
في أعماله، وخاصة "الضوء الأزرق"، تتجلى رؤيته الفلسفية بوضوح. فالكتاب ليس سيرة ذاتية بالمعنى المألوف، بل رحلة في طبقات الذات، ومحاولة لفهم الجسد والروح والمرض والزمن. حين واجه السرطان، لم يتعامل معه بوصفه حدثا طبيا فحسب، بل بوصفه امتحانا وجوديا يكشف هشاشة الإنسان وعلاقته بالموت. هنا يتحول الألم إلى معرفة، والخوف إلى بصيرة، والجسد إلى نص مفتوح على التأويل كما قال في "ساكون بين اللوز".
كان حسين البرغوثي مشغولا بفكرة الحرية، لكن ليس بمعناها السياسي المباشر فقط، رغم انتمائه العميق للقضية الفلسطينية، بل بمعناها الأوسع: حرية الوعي من الأوهام، وحرية الروح من القوالب الجاهزة، وحرية الإنسان من الخضوع للتفسيرات المعلبة. لذلك جاءت كتاباته متمردة على اللغة المستهلكة، وعلى الأفكار المستقرة، وعلى كل يقين نهائي. لقد آمن أن الشك ليس ضعفا، بل طريق إلى المعرفة.
ومن أبرز ما يميز عالمه الفكري نظرته إلى الطبيعة بوصفها كائنا حيا لا مجرد خلفية صامتة. الجبل، والشجر، والريح، والضوء، كلها عناصر حاضرة في نصوصه كرموز وذوات تشارك الإنسان مصيره. لقد كان يرى في الطبيعة نوعا من الحكمة الأولى التي فقدها الإنسان الحديث وسط صخب المدينة والآلة. ولهذا بدت كتاباته أحيانا محاولة لاستعادة الانسجام القديم بين الإنسان والعالم.
أما الموت، ذلك الهاجس الثقيل، فلم يكن عنده نهاية سوداء بقدر ما كان سؤالا مفتوحا. لم يكتب عنه برعب تقليدي، بل بنوع من التأمل العميق الذي يحاول فهم معنى الفناء في حياة مؤقتة أصلا. كان يدرك أن الإنسان يعيش تحت ظل الموت منذ ولادته، لكن القيمة الحقيقية تكمن في أن يحول هذا الوعي إلى طاقة للمعنى، لا إلى استسلام.
بعد أربعة وعشرين عاما على رحيله، ما زال حسين البرغوثي حاضرا بقوة، لأن الكتابة التي تنبع من العمق لا يغيرها الزمن. لقد ترك لنا نموذج المثقف الحر، الذي لا يكرر السائد، ولا يساوم على قلقه المعرفي، ولا يخشى السير وحيدا في دروب المعرفة.
وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات العابرة، يبقى صوته نادرا، شفافا، ومضيئا كذلك الضوء الأزرق،وساكون بين اللوز ،والضفة الثالثة للنهر ،والكثير من الدواوين الشعرية من بينها رؤيا،وليلة وتوبة، حسين البرغوثة حالة كونية استطاع ان يمر عبر ثقوب الزمن ويغير في مفهوم الفكر كما قال: "حرام على بني أدم أن ياتي ويذهب دون ان يترك أثر".
لقد ادرك حسين منذ تللحظة الاولى أن الخلاص الوحيد هو الادب فحاول ان يترك لنا شيء نستطيع من خلاله ان نسبل اغوارنا ترك لنا اهم ما كنب في النثر الفلسطيني في محاكاة الحياة والموت "حجر الورد" وكما قال عنه هو نص ما بعد حداثي ذهب حسين في رحلة الضوء الازرق وهو يتأمل ان نفهم ان النهاية ليس في الموت بل في حياة ليس كريمة.