فم مزموم .. قراءة في شعرية الكتمان عند أحمد عبيد
مهيب البرغوثي

في ديوانه الجديد «فم مزموم» يقدم الشاعر أحمد عبيد تجربة شعرية تنشغل بالمسافة الدقيقة بين القول والصمت، بين الرغبة في الاعتراف وضرورات الكتمان. من العنوان، يضعنا الشاعر أمام صورة مكثفة: فم مشدود، مغلق، أو مؤجل النطق. ليست المسألة هنا مجرد استعارة لغوية، بل رؤية جمالية وأخلاقية تحكم بنية النصوص وتوجه إيقاعها الداخلي
في الصباح تكون المشاعر خاوية "
من ضجيج ليل يمر كغريب
يطرق الأبواب ... لا أحد في الخارج
في الصباح أبحث عن محفظتي
و مفاتيح البيت الكئيب الذي
يشبه مستشفى الأمراض العقلية"
ينتمي الديوان إلى حساسية شعرية معاصرة تتجنب الخطابة العالية، وتميل إلى الهمس العميق. فالصوت الشعري عند عبيد لا يعلو بقدر ما يزداد تركيزا، كأن الكلمات تمر عبر تضييق مقصود قبل أن تصل إلى القارئ. الجمل قصيرة في معظمها، والصور خاطفة، والاقتصاد اللغوي واضح، لكن هذا الاختزال لا يعني الفقر الدلالي، بل على العكس، يفتح مساحات تأويل واسعة. الصمت هنا ليس غيابا للكلام، بل شكل آخر من أشكال الحضور.
يتكئ الشاعر على تفاصيل يومية صغيرة ليبني منها عالمه: غرفة ضيقة، نافذة نصف مفتوحة، شارع معتم، جسد ينتظر أو يرتجف. هذه العناصر لا تظهر بوصفها خلفية محايدة، بل تتحول إلى حوامل رمزية تعبر عن حالة وجودية أوسع. الفم المزموم قد يكون فردا في مواجهة مجتمع، أو ذاتا في مواجهة ذاكرتها، أو إنسانا محاصرا بشروط الواقع. وهنا تكمن قوة الديوان: في قدرته على تحويل الجزئي إلى كوني دون الوقوع في التعميم المباشر.
كما يحضر الجسد بقوة في النصوص، لا بوصفه موضوعا للغزل أو التأمل الجمالي فحسب، بل كمساحة للصراع. الفم، الحلق، الصدر، الأنفاس المتقطعة، كلها إشارات إلى لغة محبوسة تبحث عن منفذ. كأن الشاعر يقول إن ما يمنع من الخروج بالكلمات، يظل عالقا في الجسد، يتحول إلى أثر ملموس. هذه العلاقة بين اللغة والجسد تمنح الديوان بعدا إنسانيا عميقا، وتجعل التجربة الشعرية أقرب إلى القارئ
على مستوى الأسلوب، يعتمد عبيد على الصورة أكثر من البيان، وعلى الإيحاء أكثر من التصريح. ثمة فجوات مقصودة في بعض المقاطع، وانكسارات في البنية، توحي بأن النص نفسه يختبر حدود القول. لا يسعى الشاعر إلى إغلاق المعنى أو تقديم رسالة جاهزة، بل يترك الباب مواربا، وكأن الصمت جزء من التكوين الفني للقصيدة. هذه التقنية تمنح النصوص توترا داخليا مستمرا، وتدفع القارئ إلى المشاركة في صناعة الدلالة
ذات مساء طويل "
كحرب
خرجنا لمشاهدة النجوم الآفلة
خفنا على أحلامنا المؤجلة
على حبل الغسيل من
المطر و العاصفة"
وفي سياق قصيدة النثر، يمكن قراءة «فم مزموم» بوصفه محاولة لإعادة الاعتبار للهمس الشعري في زمن الضجيج. فالقصائد لا ترفع شعارات، ولا تتورط في خطاب مباشر، لكنها تحمل في باطنها حسا نقديا واضحا تجاه القيود التي تفرض على الإنسان ولغته. إن الكتابة هنا فعل مقاومة ناعم، مقاومة لا تقوم على الصراخ، بل على الإصرار الهادئ على البقاء.
يقدم «فم مزموم» تجربة شعرية متماسكة، تقوم على اقتصاد لغوي واع، وصور مكثفة، ورؤية ترى في الصمت طاقة كامنة لا تقل بلاغة عن الكلام. إنه ديوان يدعو قارئه إلى الإصغاء لما بين السطور، وإلى اكتشاف أن أخطر الكلمات أحيانا هي تلك التي لم تنطق.