الحجارة التي لم تنس السماء
سعيد الصالحي

الحجارة كالناس، ملل وأجناس، ألوان وصفات، ولكل قبيلة منها لغة وإرث وتاريخ. ومع ذلك تعلمنا أن نصفها بالجماد الصامت، كأننا نملك حق نزع الروح عما لا يتكلم بلغتنا. فهل الأرواح حكر على من يصدر صوتا ويفسد الهواء؟ أم أننا عجزنا عن الإصغاء إلى صمت الحجارة، فلم ندرك أن لسكونها عالما له قواعده وأبجديته؟
الحجارة مثلنا، وبعضها فوق بعض درجات. شتان بين حجر يزين الأعناق وآخر يلقى في المستنقعات، وبين الحجر الذي نقبله، وذاك الذي سيطبق على أرواحنا فيغدو سجنا. وكم من حجارة تمر وتتفتت دون أن يلتفت إليها أحد.
قضيت سنوات ألاحق الحجارة كأنها فراشات، حتى خيل إلي أنني أسمعها، وإن لم أفهم لغتها. في عمان، أصغيت إلى حجارة كثيرة إغريقية، رومانية، بيزنطية، وعربية. هناك، حيث تلتقي الحجارة بالحجارة، قامت المدينة على سبعة جبال، تحفظ طبقات الزمن وتحتمل كل ما يمر فوقها من زلازل وسيول، إلى ضحكات عابرة وكلام لا يترك أثرا.
وبين هذه الحجارة، ما زال بعضها يتمسك بحق العودة إلى السماء، كأنه لم ينس أصله البعيد، كأنه يرفض أن تكون الأرض محطته الأخيرة. حجارة تحمل في ذاكرتها سقوطا قديما، وتعيش على أمل صعود مؤجل، وأخرى تعلمت أن تنتمي، فصارت جزءا من وجه المدينة.
لكل حجر حكاية، لكن اجتماع الحجارة لا يصنع دائما مجدا؛ أحيانا لا ينتج عنه سوى الركام.
وفي مكان ما، حجر وحيد يؤدي دوره بصمت، شاهد قبر في مقبرة مهجورة، لا يفعل شيئا سوى أن يذكر من يمر- إن مر- أن للصمت قوة، وأن في السكون ما لا يقال.