عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 كانون الثاني 2026

د. إحسان عباس

تغريدة الصباح-حسن حميد

قيضت لي المحبة والظروف أن ألتقي بأحد أهم شخصيات الأدب والثقافة والنقد والتحقيق والترجمة والعلوم الأكاديمية طوال نصف قرن من الزمان وأزيد هو أستاذنا الجليل الدكتور إحسان عباس (1920-2003)، ابن بلدة عين غزال، القرية الرعوية البادية كما لو أنها ضاحية من ضواحي قلب مدينة حيفا. وقد سعيت إلى زيارته، مع أحد أصدقائي الأدباء، في مدينة عمان التي وصلت إليها بعد شوق طويل، وانتظار طويل، على الرغم من قوله لي: إن أستاذنا مريض، والزيارات إلى بيته قليلة، فقلت: نجرب، فنعوده، على عجل. فضحك، وقال: هذا رجل لا يزار على عجل، ولكن.. هيا، بعد أن هاتفه، واعتذر منه. وفي الطريق إليه، أخبرني صديقي أن في صوت الأستاذ  بحة فرح، ورنة ترحيب، وعليك أن تتأمل بجلسة طويلة.

  أنا عشت لاجئاً في أحد مخيماتنا الفلسطينية، في ضاحية دمشق الجنوبية، وأستاذنا احسان عباس، عاش قبل نكبة عام1948في بلدته (عين غزال) دارسا عند الخطيب، ولم يكن في بيتهم سوى كتابين، القرآن الكريم، ومجلد اسمه (المستطرف)، ثم عاش في حيف، وعكا، والقدس، والقاهرة دارسا أيضاً، مثلما عاش في مدن عربية أستاذا جامعياً مرموقاً، وسوف يكون هذان الكتابان هما من خط مسيرة الدكتور إحسان عباس الأدبية والفكرية والثقافية الباذخ التي هي اليوم قلعة علم واجتهاد وبراعة ونيافة.

ما كانت سني، ولا ظروفي، ولا خطواتي القصيرة، أتاحت لي اللقاء به، ولكم حلمت بلقائه، لأنه علمني ، ومن بعد، ومن خلال القراءة، وما سمعته عنه من مرويات، علمني أن الحياة عمل، وكفاح، ومواقف، واخلاص، ونجاح! لقد قرأته في ما كتبه عن الأندلس وثقافة عصرها الذهبي، فأذهلني مرتين، مرة في تقصيه، واحاطته، وتحليله، وتأويله، وحذقه في الاشتقاق، والترجيع، والابانة، ومرة لكثرة سراقه الذين سلخوا من كتبه كتبا صارت رسائل ماجستير ودكتوراة تنسب إليهم. ووقفت على بعض ما حققه من أمهات كتب التراث العربي، فاذهلني كتابان منها، كل واحد منهما في ثمانية مجلدات، هما: وفيات الأعيان لابن خلكان، ونفح الطيب في غصن الاندلس الرطيب للمقري التلمساني. وتلبثت عند ما قاله في حق الشعر العربي الحديث مادحا

جرأة شعراء العراق، حراس الماء، والنخيل، والأساطير، وتفضيل حداثوية البياتي (1926-1999) على براعة السياب (1926-1964)، ونازك الملائكة( 1923-2007)، وقد سوغ ذلك بالشواهد على امتداد صفحات طوال، لقناعته بأصالة حداثة البياتي التي لا شبهة فيها لتقليد أو محاكاة.

وعشت قارئاً لموسوعة عن البحار، والبحارة، والحيتان، وأسرار الماء في رواية (موبي ديك) للروائي الأمريكي هرمان ميلفل، التي تحيدها المترجمون خوفاً من حجمها، وموضوعها. لقد بدأ د.إحسان عباس عاشقاً للبحر (وهو ابن حيفا)، عارفاً بأخص تفاصيل عالم البحار والمحيطات، والبحارة وما يعيشونه من أحوال، وتقلبات، ومغامرات في رحلاتهم البحرية، وهذه التفاصيل كانت بحاجة إلى معجم لغوي خاص بالبحار والبحارة والسفن، والمصطلحات البحرية، وأنواع الأسماك ومسمياتها.

واستأثرت بي سيرته (غربة الراعي)، فرأيت فيها حياة جدي الذي عشق البراري، والزراعة، والفلاحة، ولاقى المواسم لقاء العشاق، لقد جد الدكتور إحسان عباس في تسجيل جماليات البراري، وحياة أهل القرى، كيما تصير  مرآة تضاهي بجمالها جمال مدن باذخة في جلالها وتفردها، مثل حيفا، وعكا، والقدس، وبيروت، والقاهرة التي عرفها أستاذنا حق المعرفة.

  وأفأت إلى ديوانه( أزهار برية) فرأيت العذوبة، والرهافة، والرقة..كائنات تلاعب الأعشاب، والأطيار، وتحاور السواقي والبساتين، وتقلب المجاز هونا مثلما تقلب الأنسام أوراق عرائش الدوالي، وغصصت لأن شواغل الدكتور إحسان عباس اقتلعته من فضاءات الشعر، وكلها كانت تناديه، وتسعى إليه .

قال صاحبي: ها قد وصلنا. فعلاً، فالطريق إلى الينبوع ماتع وغني، ولكن سترى أن الينبوع عالم آخر من المتعة والحضور والدهشة. يا للاستقبال، ويا للمودة، ويا للأسئلة التي جعلت فلسطين العزيزة ضيفاً  حاضراً بيننا، ويا لعشق دكتورنا الشيخ للمكان، والقرى، والمدن الفلسطينية، والدروب، وأشجار الخروب، ويا للأخبار التي تتحدث عن العمران الفلسطيني، والصنائع، والحرف، واللباس، والأطعمة، والعصائر!، لقد رجوته، منذ البداية أن يحدثنا عن فلسطين قبل عام 1948، حدثنا كيف مشى يوماً كاملاً في شوارع القدس حافي القدمين، فمر بالأسواق، والعقبات، والأدراج، ودار دورة الشرف حول الحرم القدسي، ولم تتأذ قدماه بشوكة أو حصاة. سألته، ولماذا المشي حافياً. قال: كان نذرا نذرته، فأنت لو وصلت إلى محيط الحرم القدسي، سترى العجائب والغرائب، سترى وتدرك أن كل من هم حولك، هم أهل نذور ورجاءات، وقد كنت، في ذلك اليوم الرائع، واحداً منهم. كنت، وصديقي الكاتب، والكتب الكثيرة، وكل ما في غرفة الجلوس حولنا ..ننصت للأستاذ.

حين أخذنا حديث الاستاذ، ذكرني صديقي، وذكرته أن زيارتنا غارة! لكن الزيارة امتدت ساعات، مثلما امتدت إلى أوصاف سمعتها للمرة الأولى عن الحياة في بلادنا قبل عام 1948. ولسرد هذه الأوصاف، وما قاله أستاذنا عن القدس، وحيف، وعكا، وطبريا، ويافا، والناصرة..مذهل وجدير بوقفة أخرى.

ها أنذا، وفي ذكرى رحيله، أسأل نفسي: لماذا لم نجلس اكثر، أنا وصديقي الكاتب،  لنتعلم أكثر، ولنعرف من رجل العلم والمعرفة، د.احسان عباس، الأكثر، ثم الأكثر، فالأكثر.

[email protected]