عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 25 كانون الثاني 2026

صورة تروي حكاية وطن

لين العسيلي تحصد ذهب الغرافيك بلوحة ترسم الحرمان من القدس

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- من لوحةٍ صغيرة رُسمت بألوان الماء، خرجت حكاية كبيرة عن القدس والحرمان والهوية، حاكتها الطالبة لين العسيلي من الصف العاشر في مدرسة الفرندز بمدينة رام الله، بألوانها، فلم تكن القدس بالنسبة للطالبة لين مكانًا بعيدًا على الخريطة، بل صورة قريبة لا تُلمس. بهذه الفكرة البسيطة والمؤلمة في آنٍ معًا، شقَّ عملُ الطالبة لين إلى الصدارة من بين أكثر من ثلاثمئة عمل فني شارك بها طلبة ومواهب شابة من دول مختلفة، محققةً المرتبة الأولى في فئة فن الغرافيك ضمن جائزة Teen Art Awards –  الموسم الثالث، التي أُقيمت في دولة قطر تحت شعار "تمكين الأصوات الشابة عبر الفن والثقافة والابتكار – وصل التراث بالمستقبل".

اختيار فكرة العمل الفائز لم يكن منفصلًا عن الواقع الفلسطيني. ففي موسم ركّز على التراث في زمن التكنولوجيا، وجدت لين مساحة لطرح سؤال مؤلم عن علاقتنا بمدننا ومقدساتنا. عملها الذي حمل عنوان "أراها ولا ألمسها" يجسّد فتاة ترى القدس عبر تقنية الواقع الافتراضي، في تعبير رمزي عن حرمان الفلسطيني من الوصول الحقيقي إلى مدينته. "أحببتُ أن أعبّر عن معاناة شعبنا والانتهاكات التي نعيشُ في ظلها، وعن إحساس الحرمان من القدس"، تقول لين لـ "الحياة الجديدة"، موضحة أن المدينة في العمل تمثّل التراث والهوية، فيما يرمز الواقع الافتراضي إلى التكنولوجيا والواقع الحديث المفروض، ليظهر التناقض بين الأصل وما نعيشه اليوم.

تؤكد لين، في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة" أنها لم تذهب إلى جائزة Teen Art Awards  وهي تبحث عن لقبٍ أو مركز، بل حملت معها إحساسًا شخصيًا عميقًا، نجح في أن يلامس لجنة تحكيم دولية، إنجازٌ فني لافت لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة علاقة مبكرة مع الفن، وتجربة شخصية عميقة صاغتها لين بلغة الصورة.

مشاركة لين في الجائزة جاءت بعد أن سمعت عنها عبر مدرستها، بالتنسيق مع منتدى الفنون البصرية ووزارة التربية والتعليم. لم تتردد كثيرًا، رغم إدراكها حجم المنافسة، إذ ضمّ الموسم مشاركات واسعة من شباب يمتلكون تجارب فنية متنوعة. "علمتُ بالتنافس بين مئات الأعمال، فقررت خوض التحدي، مع قناعتي الداخلية أن المشاركة بحد ذاتها إنجاز"، تضيف لين، التي قررت خوض التجربة بثقة ودافع ذاتي.

ورغم أن العمل يبدو رقمي الروح، إلا أن تنفيذه كان يدويًا بالكامل. استخدمت لين ألوان الماء، وعملت بيديها على اللوحة، معتبرة أن الغرافيك ليس أداة تقنية بقدر ما هو لغة بصرية لشرح فكرة أو إحساس.

التحدي الأكبر بالنسبة لها لم يكن في الأدوات، بل في تنظيم الوقت وسط الضغط الدراسي، وفي إيصال الفكرة بصدق ووضوح، وهو ما تجاوزته – كما تقول – بالعمل المتدرج والصبر على التفاصيل.

في حديثها لـ "الحياة الجديدة"، تستعيد لين بداياتها الأولى مع الرسم والتصميم، مؤكدة أن انجذابها لفن الغرافيك بدأ منذ طفولتها، حين كانت تحاول التعبير عن أفكارها ومشاعرها بعيدًا عن الكلمات. "مع الوقت أحسست أن هذا الفن هو الأقرب إلي، هو الذي يمثّلني ومن خلاله أستيطع إيصال ما بداخلي" تقول، موضحة أن ما يشدّها في الرسم والتصميم هو قدرة الصورة على قول ما تعجز عنه اللغة، وعلى نقل الإحساس بشكل مباشر وصادق إلى المتلقي".

هذا الإيمان بقوة الصورة شكّل بوصلتها في اختيار موضوع مشاركتها، خاصة أن موسم الجائزة حمل عنوان "التراث الثقافي في عصر التكنولوجيا الحديثة".

وعن لحظة إعلان الفوز، تصفها لين بأنها مفاجأة كبيرة وفرحة لا تُنسى. وتقول: "أحسستُ أن صوتي سمع، ورسالتي وصلت"، معتبرة أن التجربة بأكملها منحتها ثقة أكبر بنفسها وبقدرتها على الاستمرار في الفن. وتشير إلى أن الدعم العائلي، لا سيما من والدتها وشقيقتها، كان عنصرًا أساسيًا في هذه الرحلة، إلى جانب تشجيع المدرسة وتعاونها مع منتدى الفنون البصرية.

تجربة Teen Art Awards لم تكن بالنسبة إلى لين مجرد مشاركة عابرة، بل محطة شخصية وفنية مفصلية. فقد تعلّمت منها كيف يمكن لعمل واحد أن يحمل فكرة واضحة ورسالة عميقة، وكيف يتحول الفن إلى وسيلة لقول ما لا يُقال. 

وفي رسالة توجهها لطلبة يمتلكون موهبة ويترددون في خوض التجربة، تقول: «لا تخافوا وامنحوا أنفسكم فرصة. الخوف طبيعي، لكن التجربة أهم، خطوة صغيرة قد تفتح أبوابًا كثيرة وقد تغيّر مسارا كاملا".

هكذا، تواصل لين العسيلي شقّ طريقها، مؤمنة بأن الصورة قادرة على أن تكون ذاكرة، وهوية، وصوتًا شابًا يصل إلى العالم.