ديلما
حنان باكير
أصبت بصدمة كبيرة، غير متوقعة. جعلتني نهبا للهواجس. وتزامنت مع موعد كتابة التغريدة. كدت أعتذر للحياة الجديدة، عن عدم تمكني من الكتابة، لهذا الاحد. ولكن كيف؟ والحياة الجديدة هي نافذتي على الوطن! ثم شعرت بحاجة للتنفيس عن غضبي، عملا بقاعدة أطباء النفس.
القصة هي، اتصال هاتفي من صديق قديم، لم اعرف، عنه شيئا منذ اكثر من اربعين عاما. هو جامعي ومناضل مخضرم، في أحد فصائل المقاومة. منذ بداية الحوار، بدا لي أنه لحق بالتيار الديني المتزمت. صعب اختصار محادثة دامت ثلاث ساعات،لا سيما وأنه كان حوارا في طاحون. لكن أبرز فكرة كانت ما يلي: نحن فقط، ضد عمليات القتل في فلسطين، لكن الحق حق ولو على أنفسنا.. هم قبلنا في البلاد، ووجودهم اسبق من وجودنا! وأن الفلسطينيين، هم من جزيرة كريت، حتى أنه "ذكر اسم فلسطو، بشكل خاطئ"، وهم جماعة لصوص وقتلة! وأن تاريخ القدس، بدأ حين شيّد عبد الملك بن مروان المسجد الاقصى!
عبثا حاولت سرد تاريخ المنطقة القديم. وتاريخ القدس قبل الديانات الابراهيمية الثلاث. كان يعترض على بعض التسميات او المصطلحات، مثلا " ملكي صادق الكنعاني، كاهن وملك القدس"، فنحن لا يوجد لدينا، كهنة! وأنه لولا الأقصى لما كانت هناك القدس! ألهمني الله الصبر، كرمى عيون فلسطين، وحاولت عبثا، إدخال معلومة جديدة الى مخه.
أورد في حديثه مثلا بدائيا يضحك به على العقول البدائية والمحدودة. أدركت شيئا.. فسألته، ان كان لديه اتصال مع طائفة دينية، منتشرة في اوروبا. فردّ بالإيجاب، وأنهم في غاية اللطف، وأنه يقرأ كتيباتهم! نسف هذا الحوار، أي بصيص تفاؤل لديّ. أيّ مستقبل لهذه الأمة، حين يطلق اليساريّ لحية داعشية مشفّرة. ومثقفوها، يعرضون اقلامهم برسم البيع او الايجار، في مزاد علنيّ، كرمى حفنة من الدولارات. وحين يقوم بعض المثقفين والاكاديميين بتجنيد الأقلام، لخدمة المشروع الشرق أوسطي المشبوه!
أما موقف ذلك الرجل، فهو الطامة الكبرى. لم يخطر ببالنا أن يأتي الجيل الثالث او الرابع من المهاجرين، بمثل هذه المواقف، فما بالنا برجل من الجيل الأول للمهاجرين، وذاق مرارة النكبة، وهو ابن خمس سنوات، وعاش ذل المخيمات، ثم مرارة التشرد الى أقاصي الأرض!!
نجحت الأمم المتحدة، في نقل ملف القضية الفلسطينية، من ملف سياسي الى ملف إنساني. وصارت القضية، قصة لاجئين واكياس طحين وسكر.. والان يبدو أن نقل القضية من ملف سياسي وارض مغتصبة، الى موضوع صراع ديني، تماهيا مع الطرح الصهيوني، فيختلط الأمر على صغار العقول، ما بين الوجود التاريخي، والوجود الديني!
كتب رئيس الجمعية الموسوية مقالة رئيسية، ادّعى فيها، انه لا يوجد في التاريخ، شيء اسمه فلسطين. وأنها كانت دوما اسرائيل التاريخية. رددت عليه بمقالة رئيسية، حشدت فيها جميع الايات الواردة في كتابه المقدس، والتي يرد فيها اسم فلسطين، ومخاطبة الههم: تغربوا في ارض الفلسطينيين، وانتم غرباء في ارض فلسطين.. ثم دعوته الى مناظرة، حول ذلك التاريخ، فرفض.. واعتبرتها هزيمة له.
أما الصحفي السويدي، فبعد حوار مطول، ومن أدلة الكتاب المقدس، اقتنع ببطلان ادعائهم. فختم حديثه قائلا: على أي حال، هي لم تعد أرضكم الان.. إنسوها! يعني اقرّ بالحقيقة، لأني كنت اخاطب انسانا، يجيد الحوار. أما صاحبنا فقد ختم حواره بالقول: أنت من دعاة الخط الوطني، فلماذا لم أقرأ لك مقالا واحدا عن فلسطين!!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل