ما الذي تخفيه حماس؟
د. رمزي عودة

أعلن وقف إطلاق النار رسمياً في مؤتمر شرم الشيخ الذي انعقد في 13 أكتوبر في إطار مبادرة ترامب التي تحدثت عن غياب حركة حماس عن المشهد السياسي في القطاع، وعن تسليم أسلحة عناصرها مقابل تواجد لعناصر أمنية فلسطينية وعربية ودولية في القطاع لحفظ الأمن والاستقرار في القطاع. وكان يفترض قبول حماس بنود هذه الصفقة، بل إن الكثير من بنودها قد توافقت عليه حماس مسبقًا، سواء في تفاهمات بكين وموسكو، أم في إطار مقررات القمتين العربية والاسلامية اللتين عقدتا قبل عدة أشهر في القاهرة، وأعني بالذات موضوع تولي السلطة الوطنية الفلسطينية إدارة قطاع غزة ومعبر رفح. لكن الأحداث التي تجري في الواقع الميداني تشير بشكل واضح إلى أن حماس انقلبت على موافقتها على بنود شرم الشيخ وتفاهمات بكين للمصالحة، فهي نشرت عناصر الأمن الداخلي والقسام في معظم مناطق القطاع داخل ما يسمى بالخط الأصفر، وبدأت هذه العناصر بالقيام بمجازر ضد العائلات الفلسطينية كعائلتي دغمش والمجايدة متهمةً هذه العائلات بالعمالة لإسرائيل! والجميع يعلم في القطاع أن هذه العائلات تصنف كعائلات معارضة لحكم حماس، وأنها رفضت دفع الأتاوات لعناصر حماس. وبرغم استنكار الجميع لمشاهد الاعدامات الميدانية، استمرت هذه الاعدامات ضد أفراد هذه العائلات وللمعارضين لنظام حماس ومنهم ضباط في الأجهزة الأمنية الفلسطينية أمام الأعين ويتم تصويرها بهدف إرهاب المواطنين ومنع حوادث التمرد والعصيان. من جانب آخر، بدأ الأمن الداخلي لحماس باستدعاء المعارضين في المدارس والخيم والمستشفيات التي سيطرت عليها عناصر حماس، من أجل التحقيق معهم، بل إنهم قاموا مؤخرًا باستعداء موظفين من الوكالات الدولية للتنمية وتقديم المساعدات بهدف الحصول على معلومات حول كميات وطرق التوزيع! كما قامت حماس مؤخراً بفرض رسوم وجمارك على المساعدات وعينت دائرة خاصة بهذا الموضوع. بالمحصلة، فإن كل هذه المستجدات تشير الى أن حماس غير جادة أبدا بتسليم السلطة ونزع سلاحها لصالح سلطة وطنية فلسطينية واحدة قادرة على فرض الأمن وإعادة الإعمار، وهو الأمر الذي رشح عن بعض تصريحات مسؤوليها مؤخرًا مثل محمد نزال وغيره. إذًا يبقى سؤال مشروع أمام الشعب الفلسطيني وهو: ما الذي تخفيه حماس في اليوم التالي بعد العدوان؟ هل تريد أن تبقى في السلطة السياسية كطرف مسلح قادر على فرض أجندته السياسية برغم معارضة الشعب ومعارضة المجتمع الدولي؟ أم تريد أن تضبط أمن القطاع ريثما يتم تسليم السلطة الى اللجنة الفنية تحت مظلة السلطة الوطنية؟ أم ماذا؟
في الواقع، يبدو أن حماس لا سيما حماس الداخل لا تقبل نزع سلاحها أو تسليم السلطة الى أي سلطة أخرى لا سيما السلطة الوطنية الفلسطينية، وتؤكد على ذلك تصريحات القادة الميدانيين للجمهور الغزاوي، الذين خرجوا من أنفاقهم بعد فترة طويلة من القصف، وهم غير مستعدين أبدًا لتسليم السلطة حتى لو أرادت حماس الخارج ذلك. إنهم يؤمنون بأنهم الطرف الوحيد في غزة الذي يمتلك السلاح والتنظيم، ولذلك فهم مصرون بقوة على الحصول على مزيد من الثروة ومزيد من السلطة.
وفي السياق، وإذا ما أصرت قيادات حماس الميدانية على هذا السلوك، فإنه ليس من المتوقع أن يتم الانتقال في القطاع إلى مراحل متقدمة من الإعمار والبناء والأمن. بل إن السيناريو الأكثر قابلية للتحقيق يكمن في هذه الحالة باستمرار سيطرة حماس على المدن داخل الخط الأصفر، وهو الأمر الذي سيسبب حربًا أهلية بين كوادرها وبين العائلات المسلحة التي لم تعد ترضى بحكم حماس بعد هذا الدمار الذي لحق بهم نتيجة لقرارات قيادات حماس غير العقلانية. ومن ثم سينتقل جزء كبير من المواطنين داخل مدن الخط الأصفر إما للهجرة الى الخارج وهذا ما تريده اسرائيل، وإما الى المناطق خارج الخط الأصفر التي يمكن أن تشهد استثمارات لإعادة البناء مثل رفح. وهي مناطق وعدت الادارة الأميركية بإعادة إعمارها وجعلها نموذجًا يحتذى به لإعادة الإعمار في اليوم التالي للحرب. وفي حال تحقق هذا السيناريو، ستنقسم غزة الى عدة مناطق، وستعمل إسرائيل على زيادة فتيل الحرب الأهلية، وسنبتعد كثيرًا عن قيام الدولة الفلسطينية. وكل هذا مقابل تمسك حماس المقدس بالسلطة في القطاع!
من هنا، علينا أن نبني استراتيجية لمواجهة لهذا السيناريو منذ الآن، استراتيجية وطنية تقوم على الوحدة الوطنية قوامها أحزاب سياسية فحسب. وهذه الاستراتيجية هي شرط أساسي من الدول المانحة لإعادة الإعمار والبناء والدولة ومن دونها ستحول حماس ما تبقى من القطاع الى ما يمكن تسميته بـ "صوملة القطاع" حيث لا سلطة موحدة وحيث القتل والتدمير يطال كل شيء.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل