وسط رام الله.. متى ننهي فوضى المرور؟
باسم برهوم

كنت أقود سيارتي في طريقي إلى عيادة الأسنان الموجودة وسط رام الله، وعندما وصلت ساحة الرئيس الراحل ياسر عرفات، (دوار الساعة سابقا)، التفت إلى يميني ورأيت سيارة دبلوماسية لإحدى الممثليات الأوروبية، كنا نسير جنبا إلى جنب ببطء شديد، ليس فقط من كثرة السيارات، بل لأنه في كل ثانية يعبر أحد المواطنين الشارع من أمامنا، وكأن الشارع للمشاة وليس للسيارات، من ساحة ياسر عرفات وحتى ساحة الأسود استغرق الوقت بحدود 15 دقيقة، بالرغم أن المسافة لا تتجاوز 200 متر.
والكارثة الأكبر عندما تصل ساحة الأسود، هناك ذروة الفوضى، حيث يختلط المواطنون بالسيارات، عشرات المشاة يتجولون في وسط الشارع يمينا ويسارا والسيارات تحاول تفادي المارين نساء ورجال وأطفال والباعة. في لحظات الوقوف الكثيرة كنت أحيانا أنظر للسيدة الجالسة في السيارة الدبلوماسية، وسألت نفسي كيف ستنقل هذا الدبلوماسية انطباعاتها عن الدولة الفلسطينية التي تصارع من أجل أن تضع نفسها على الخريطة وتنادي بالاعتراف بها؟ وسألت نفسي مرة أخرى ما الذي نحتاجه كي يكون وسط رام الله منظما ونظيفا دائما؟
اعلم أن هناك عقبات بنيوية، وأخرى سياسية موضوعية، فالمدينة كانت عبارة عن بلدة صغيرة هادئة، مصيف فلسطين، وانتقلت إلى أن تصبح وكأنها عاصمة، فيها كل مؤسسات الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، وعدد سكانها وسياراتها تضاعفت آلاف المرات، ولكن هناك دائما وسائل للتنظيم والتنظيف وهنا يأتي دور الثقافة المجتمعية والتي فيها يكمن الخلل الأكبر. كما أن هناك تقصيرا في التطبيق الحازم لللقانون في الشارع، فالتطبيق الجدي للقانون يصنع الثقافة، ويصنع الإنسان، لأن الرهان على الانتماء وحده ثبت فشله.
هنا علينا أن نسأل أنفسنا كمواطنين: كيف نسمح لأنفسنا برمي الأوساخ في الشارع، الأوراق، بقايا طعام، علب السجائر؟ ألا نشعر أن هذه المدينة مدينتنا، والشارع شارعنا والناس في الشارع هم ناسنا، هل يجب أن تفرض الدولة مخالفات مالية على من يقوم برمي الأوساخ بالشارع، سواء كان من نوافذ سيارته أو وهو يمشي على الرصيف؟
الانتماء ثقافة مجتمعية، وأيضا ثقافة سياسية، والشعب الفلسطيني تحتم عليه ثقافته السياسية أن يعكس أكثر من أي إنسان آخر في العالم انتماءه لأرضه، والأرض تشمل كل شيء. الأرض البور، الأرض المزروعة، المدينة القرية، كلها أرض. والمقاومة البند الأولى فيها الانتماء للوطن.
واقع وسط رام الله نموذج يشير الى خلل كبير في أداء المؤسسات بكل أفرعها، شرطة المرور، البلديات، وهناك مسؤولية على المجتمع المدني والفرد (المواطن)، والمشكلة في كل ذلك أن الحل، أو الحلول ممكنة إذا تصرف كل منا بالطريقة المناسبة.
لم أذكر قصة السيارة الدبلوماسية، للتعبير عن رغبة في أن نكون جيدين في أعين الأجانب، علينا أن نكون جيدين أمام أنفسنا ولراحتنا وجمالية شوارعنا، قبل أي شيء. عندما يعود أي شخص منا من السفر ونسمعه يشيد بنظافة ونظام الدول التي يزورها، ويبدأ بالمقارنة، بالإمكان أن نكون مثلهم إذا تصرفنا بطريقة حضارية، وأن تتصرف المؤسسات الوطنية كما يجب أن تتصرف، خصوصا أن ما نقوله هو من صلب عملها الطبيعي.
قد يكون الظرف وغياب الرواتب والميزانيات، ولكن مع ذلك ان لا يرمي المواطن مخلفات ما يأكل أو بشرب أو أي مخلفات اخرى من نوافذ سيارته، أو أن ينظم شرطي المرور السير والذي هو موجود في الشارع أصلا وما عليه إلا أن يقوم بواجبه، والأمر ينطبق على البلديات التي تجبي الضرائب من المواطن وبالتالي عليها أن تقدم له الخدمات بالكامل.
المشكلة التي يتناولها المقال ليست بنت لحظتها، أو في هذه المرحلة، بل هي مشكلة مزمنة منذ تأسيس السلطة الوطنية، هناك حاجة لمراجعة التجربة، فأعين العالم مسلطة علينا ونحن نطالب بدولة مستقلة، ما نحتاج إليه حملة ثقافية وتوعوية مكثفة، وتطبيق صارم للقانون، بما يتعلق بنظافة الشارع والمرور والسيارات والبشر. السؤال: لماذا لم ننجح حتى الآن ومن المسؤول؟ لماذا يتعامل بعض المواطنين وكأن الشارع مكب نفايات؟
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!