من بيدر الحياة - شتاء البلاد
عبد السلام العابد
منذ اثنين وخمسين عاما، لم يرَ أمطار الخير تنهمر من سماء بلاده. كم كان توّاقا لزيارة بلدته؛ ومعانقة شتائها، واستعادة ذكريات طفولته وشبابه الأول الغضّ فيها، قبل أن يضطر لمغادرة وطنه؛ بحثا عن الوظيفة في الغربة. صحيح أنه عاد إلى بلده أكثر من مرة، ولكن زياراته كانت تتم في أشهر الصيف، وهذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها خلال فصل الشتاء، منذ العام ألف وتسعمئة وأربعة وستين. وحينما وصل إلى مرابع طفولته، ردّد بيت الشعر الذي كتبه إيليا أبو ماضي:
وطن النجوم، أنا هنا، حدّق / أتذكر منْ أنا ؟!.
أجل، إنه ذلك الطفل الذي تنسم أنفاسه الأولى، في هذا البيت، ونما في حجراته، وترعرع في وطنه، وكانت له فيه ذكريات دافئة وعزيزة. تفقد العائد من غربته القسرية غرف البيت. هنا كنا ننام، وهنا كان الجد والجدة يجلسان، وفي هذا العقد تجاذبنا أطراف الأحاديث، مع الوالد والوالدة والأخوات والإخوة. في ساحة البيت الوسيعة كان ثمة بئرٌ وورود ٌ ورياحينُ وشجرة ليمون. هنا كان الأعزاء والخلان والأقارب والأهل يجتمعون، حول كانون النار، يتبادلون سرد القصص والحكايات، ويشربون الشاي الساخن، ويأكلون الخبز والزيت والزيتون. يا إلهي، أين ذهب الأحبة؟، وكيف تفرق شملهم؟!.
يقول السبعينيُّ العائد إلى بلده: كم أنا سعيد بزيارتي لوطني شتاء!!. كم كنت أحلم بالعودة إلى بلدي في أيام باردة مطيرة!. ها أنا جالس؛ لأستمتع بمشاهدة السماء والبروق ترسم خرائط لامعة على سطحها المغطى بالغيوم المدلهمة. ها هي الأمطار تهطل بقوة وغزارة، وكلما اشتدّ وقعها على الأرض، اهتز قلبي فرحا وسعادة وحبورا. يبتسم، وهو يتذكر أهازيج الطفولة وشقاوتها: (إشتي وزيدي.. بيتنا حديدي... وعمّنا عبد الله.. ورزقنا على الله). وكنا نضع حبات القمح، تحت غربال ننصبه، في ساحة الدار، وعندما تأتي الطيور؛ لالتهام الحَب، نعمد إلى سحب الخيط الطويل المربوط بالعصا الصغيرة، التي ترفع الغربال قليلا، فتقع مجموعة من العصافير في الفخ، فنسرع إلى إلقاء القبض عليها؛ وتعدها أمي في الطابون؛ لتكون وجبة ساخنة ولذيذة لنا.
يصيخ السمع، فتتناهى إلى أذنيه موسيقى عذبة، لم يترنم بشدوها منذ زمن بعيد.. إنها أصوات (المزاريب) وهي(تشكع) في الطرقات، تصاحبها الرياح القوية التي تهزّ أغصان الشجر، والشبابيك، وأسطح الغرف الزنكية. يتساءل: لماذا نفرح عند نزول ماء السماء بعد انتظار طويل؟. ويجيب بنفسه: لأنّ ماء البلاد الطاهر يغسل القلوب، ويزيل الهموم، ويبشر الكائنات الحية كلها بالأمل الواعد،وموسم الخصب والنماء، وتوافر النعم والخيرات. فغدا.. سترتوي الأرض، وتعبر عن سعادتها وفرحها، بالخضرة اليانعة، والأزاهير المتفتحة، والثمار الناضجة، والزروع الريانة من كل لون وصنف. ويتذكر الجد الراحل الذي كانت عيناه تشرقان بالفرح، في مواسم الشتاء المطيرة، وهو يحمد الله تعالى على نعمه الكثيرة،و يردد تلك الحكمة المشهورة: ( بركة الأرض من بركة السماء ).
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل