العدالة..!
تغريدة الصباح - حسن حميد

ليس من فكرة أثيرة، أبدى من فكرة العدالة التي عاش البشر من أجل تحقيقها في معاشهم، لقد فلحوا الأرض، وشقوا دروب الصيد، وصنعوا وعمّروا، وتعلموا وكتبوا وألفوا، وأفهموا وأرشدوا، وأنسنوا عماء الطبيعة وغضباتها من أجل العدالة ولا شيء سوى ذلك، لأنّ مفهوم العدالة خالد، وكل التباهي بالقوة والأنانية والظلم هو التباهي بالزائل والشائن والقابل للمحو.
كم من الإمبراطوريات التي أخذت أراضي الآخرين حوطاً بالذراعين، وأخضعت البلدان بالقوة والنار والحديد، حتى غدت حياتها كتاب قوة من أجل القوة، لكنها أينها الآن؟ زالت! لأنها لم تستظل بالعدالة معنى، ومعرفةً وتجسيداً، لا في البيت، ولا في الحقل، ولا في المعبد؛ وكم من الكتب، والأفكار، والفلسفات التي رقصت وغنّت للظلموت حين اشتطت قبضة القوة ومثلها آليات التفكير في آن، فتحدثت أحاديث المباهاة بالقوة، لكن أينها الآن تلك الكتب التي نام أهل الظلم وهي تحت رؤوسهم أو أقرب أيديهم؟ لقد زالت وأهملت ثم أمّحت!
وكم من القوانين التي سنتها الأمزجة الكدرة، وارتضتها النفوس المريضة التي حكمت المجتمعات وقيّدتها وألبستها ثياب العار والخزي، والتي رأينا صورها وطيوفها، عبر أزمنة فارطة، في جل أركان الدنيا، وقد قيل يومذاك، إنها قوانين خالدة آبدة، لكن أين هي الآن؟ لقد زالت، وما من عاقل يأسف لزوالها لأنها قفزت على مفهوم العدالة وتخطتها فوقعت وسقطت، وباتت لا توصيف، بسبب ما فعلته، سوى صفة: الظلموت!
وكم من أحلام حلمها أهل القوة، لكي يسيطروا على العالم، كل العالم، من أيام العصور البدائية، وحتى اليوم، والأسماء والبقع الجغرافية كثيرة، فكان فساد تلك الأحلام أكبر من أن نقول عنه أو نصفه بأنه كبير، ولكن كل هذه الأحلام غدت نزوات وحسب، لأنها جانبت العدالة التي هي القيمة الأنبل بين القيم، فلا حياة من دون عدالة، ولا عيش كريم من دون عدالة، ولا لذاذات لنشيد، أو كتاب أو مسمى، أو عمران، أو حضور، من دون عدالة.
أقول هذا، وأنا أرى التطرف الأعمى يعمّ الدنيا، والأصوات المنادية بالقوة، وضرورة امتلاكها تعلو كل صوت حتى لو كان صوت حفيف الشجر، أو تراتيل للمعاني المقدسة، أو صوتاً لاستنطاق الموسيقى لتعرف النفوس معاني الجمال في المجرد الذي يقول أحياناً ما لا تقوله الكتب.
ترى، هل العالم بحاجة إلى هذه الترسانات من القوة الضريرة التي تهب مثل العواصف مزمجرة، فتأخذ بنيرانها حرقاً كل نبيل وجميل، بل كل ما يسعد القلب، وهل دول القوة في العالم اليوم بحاجة إلى التصريحات الملأى بالحمق والنزوات وفساد العقل والتهديد للدول الأخرى التي حيل بينها وبين امتلاك القوة، وهل العالم اليوم بحاجة إلى لغة التهديد والوعيد بعد كل هذه الكتب والآداب والفنون التي نادت: الإنسان الإنسان، والجمال الجمال، والقلب القلب، والعقل العقل!
غوته، في (فاوست) صنع ثنائية تعرفها أمهاتنا اللواتي لم يدخلن الجامعات، طرفاها: الخير والشر، حين قال ما الذي سيجنيه الإنسان حين يبيع نفسه للشيطان؟ وما النتيجة من وراء هذا التحالف!
وشكسبير في (يوليوس قيصر)، أبدى فداحة الموت وفاجعيته حين وقف عند الطعنة الأخيرة التي أصابت (الإمبراطور) بمقتل لأنّ نسيج الصداقة تبدد.
وهوميروس، في (العوذيسا) جعل (عوليس) يجول بحار العالم، خلال عشر سنوات ملأى بالحرائق، والانتظارات والمغامرات والأذيات، من أجل مفهوم (العودة) إلى الوطن، لأنّ لا قيمة للحياة بعيداً عن الوطن!
والروايات، روايات الأدب الجليل، كلها نقبت في عالم اليتم، والظلم، والقوة، والضعف، والذكورية المريضة، وشهوات الأفعال المعلولة والناقصة المريضة، والجهل ودروبه المعتمات، والنذالة وما فيها من انحطاط، والكرامة وما فيها من عرائش الكبرياء،.. إلخ، من أجل توطيد مفهوم العدالة، لأن العدالة هي البانية، أما قوة الماموث فهي المدمرة!
ومع ذلك يتألم المرء، حين يرى العقول التي خالطتها الاحلام المريضة.. تسهر الليالي من أجل ابتكار الأساليب والأدوات الدقيقة التي تقتل البشر، وتهدم عمرانهم بكل البراعة والذكاء، ويتألم المرء أيضاً حين تمضي النوازع الشريرة إلى استكمال المشاريع التي تمدها بالوفرة العسكرية الحديثة والمذهلة في قدراتها على قتل الأرواح البشرية، وتدمير العمران الذي غدا طبقات، بعضها يعلو بعضها الآخر، مثل الطبقات الجيولوجية، ويتألم المرء، حين يرى العالم الحديث، عالم اليوم، وقد انقسم إلى جهتين: جهة القوة التي تدمر وتحرق وتقتل من دون رحمة، ومن دون حق، وجهة تتفرج، وكأن عالم القوة اليوم يستعيد مشاهد المسارح القديمة بصورتها المقسومة إلى طرفين الوحش المفترس والسجين العاري، أما النتيجة التي يعرفها المتفرجون، فهي موت السجين المحتوم.
أختم، أليس هذا العالم الآن، يتفرج على موتنا في البيوت، والحقول، والمدارس، والشوارع، والسجون، والمعابد.. فرجة تشبه تلك الفرجة الغشوم؟ بلى، إنه يتفرج، ثم يباهي بالحديث عن العدالة! تباً لهذه الوحشية التي لم تعرف، حتى الساعة، طعماً من طعوم العدالة الزاكية!
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي