إن عمّ الغرور.. قتل!
تغريدة الصباح - حسن حميد

أجل، كلنا مذنبون أمامهم، سواء أكنا في شفا عمرو، أو غزة، أو أريحا، أو القدس، يريدون تنظيف البيوت، والمشافي، والمعابد، والمدارس، والدروب.. منا!
كأنهم توارثوا كل ما قاله شمشون، وبن نون، وهرتزل، وبيغن، وبن غوريون، لا..، بل كل ما يقوله من يتزعمونهم اليوم، وما تقوله قصائدهم، وقصصهم، ورواياتهم، ويوميات جنودهم.. وكلها محتشدة بالغرور، والغطرسة، والعنصرية، وكلها راشحة بالدموية والتوحش.. والأنفاس الحامضية.
لكأنهم يريدون لنا أن نحبذ كل شيء اقترفوه بحقنا، وأن ندير ظهورنا لكل شيء آمنا به، أن نمحو من ذواكرنا كل شيء أسس وعينا، وألا نتأسف، ولو بالحدود الدنيا، على مدينة أحرقوها لنا، أو قرية لنا دمّروا بيوتها، أو مخيم جرّفوا شوارعه وطرقه، ورموا بيوته على الأرض، وألا نحزن إن دمّر مسجد عمره ألف سنة أو أزيد، أو إن خلع باب كنيسة أو خربت ايقونة عمرها من عمر العمران، وألا يسأل الواحد منا إن غاب الطعام والشراب والدواء والكهرباء والكتاب والموسيقى والحبق والنعناع، أو إن غابت المعاني الجميلة وأن ننسى ما يرسّبه الحزن الثقيل حين تجرّف المقابر، وتكسّر شواهد القبور قطعا، فلا يعرف قبر من قبر، كي لا نقف أمام من فقدنا لنخبرهم بما آلت إليه أحوالنا، كي لا نثرثر عن ما نحلم به، وما انتويناه من صبر على الكواره طلباً لصباحات قادمة، وألا نزرع الورد حقولاً، كي لا يسأل هولندي أو بلجيكي، أو إنكليزي، أو فرنسي.. من أين هذه الورود، والزنابق، وأقراص عباد الشمس الفاتنة، وألا نكتب في حضرة الليل، والخوف،والشموع، والأسى.. ما عشناه، وألا نصف الفقد الذي ساكننا بيوتنا، ومشى في خطانا، وحلّق مثل الطيور في خواطرنا، وألا نجلس راكعين في حضرة القدس لنرسم حجارتها التي مشت إلى قمم جبالها لتترتب هناك، فتصير بيوتاً، ومعابد، وشرفات، وألا يساهر الصيادون، هم وقناديلهم، واباريق الشاي الغامق..البحر، وألا يغنوا بفرح وجذل وهم يعودون في الفجر طلابا للحياة، حتى لو كانت شباكهم وقففهم خالية من السمك، وألا تمشي القوافل حاملة أكياس الملح من البحر الميت مغربة نحو نابلس، وجنين، وام الفحم، وعرّابة، وألا تصل أصفاط تمر أريحا المذهل إلى أنحاء الدنيا، كي لا يثار السؤال عن هذه الثمرة وأصنافها، وحجومها، وطعومها الآسرة، وجغرافيتها، وألا يجلس أهلونا في ظلال جميزة مدت أذرعها في الفضاء الوسيع، كما لو أنها ترحّب بكل محرور، وكي لا نزرع شجر الخروب الزاكي،كيما لا يصنع منه أبو العبد شراب الخروب، فيسقيه لكل زائر يدلف من باب العمود نحو الأسرار التي يتعانق فيها اللاهوت والناسوت عناق الرضا والثواب في القيمة والمعنى، وألا نحدث أولادنا بأن نابليون بونابرت، ود الرجوع إلى مصر في وحشة الليل، حين التقته الهبة الشعبية الفلسطينية في ضواحي غزة، وأنه طلب من ألف جندي وجندي أن يحرسوا نومه في قصر الباشا في حارة الزيتون، وأنه ترك بعض ثيابه، وأحذيته، وكأسه التي يشرب منها، وبعض حبات البرتقال.. قرب مفرش نومه حين غادر في غبشه الفجر، وأن نراكم خوفنا ونجمعه ليصير غولاً كلما قرأنا سفر التثنية وسفر العدد، وهم لا يعرفون أننا نحن من أبدع المجاز، فعرفنا الواقع واقعاً، والخيال خيالاً، وأن لا نقرأ دوستويفسكي، ولا أن نتذوق جمال أدبه، لأنّه عرّى الشخصية اليهودية من الأوهام حين كتب (المسألة اليهودية)، وألا نجهر اليوم بأنّ اليد اليهودية تزلّ (المسألة اليهودية) جانياً، وتحول بينها وبين الطباعة كي لا يعرف الأبناء الجدد غاصبو عكا، وحيفا، والقدس، سيرة أجدادهم الملأى بكل شناءة حامضة، وألا نعتز بإدوارد سعيد، وألا نتابع ما كتبته ذاكرته في (خارج المكان)، كي لا تصير ذواكرنا كتابا عزيزاً نعود إليه وقت الشرذمة، وكي لا نقرأ ونعي ما قاله عن الاستشراق الكذوب الذي كان قرينا لأحلام كل من فكر باستعمار الآخرين ، وألا نمشي في ظلال الشعر الفخيم الذي كتبه محمود درويش، كي لا نقول مثلما قال: إنهم عابرون في كلام عابر، وفوق هذه الأرض ما يستحق الحياة، وكانت تسمى فلسطين.. وسيبقى اسمها فلسطين، وألا ننشد ما كتبه إبراهيم طوقان، في حضرة نشور الحقول، وفي الصباح داخل المدارس، وفي عتمات السجون: موطني، موطني، وألا نفضحهم، ونفضح عنصريتهم عندما نروي سير إرهابهم الذي لاحق سادة الثقافة والفكر والفنون من أهلنا، وفي كل أنحاء الدنيا، فقتلتهم عنصريتهم بدم بارد، وأقامت مهرجانات الخطب والاغترار لرحيل غسان كنفاني، وكمال عدوان، وماجد أبو شرار، ومحمود الهمشري، وعز الدين القلق، وكمال ناصر، وعلي فودة.. لقد قتلتهم ظناً منها بأن غيابهم يمكنها من الحضور، فخسئت ، واندحرت!
أي بشر هؤلاء الذين ينادون بقتل النساء والحوامل كي لا يروا الأجنة أطفالاً يضحكون ويلعبون وينادون ويمرحون ويذهبون إلى المدارس، كي لا يعرفوا المروج، والبحار، والرمال، وحقول القمح، ودمى الطين.. حين يكبرون!
أي بشر هؤلاء الذين يكسرون القناديل والفوانيس المحيطة بالمعابد، ويسحقون الشموع، واعواد البخور قرب عتباتها المقدسة بأحذيتهم الخشنة، ويقتلعون أشجار الزيتون لأنها دونت اعمار أهلها، وأعمار العمران، وتعب السنين، ولأنّ خشبها صار ايقونات راويات، وصلباناً راهجة بشقرة قمرية، مثلما صارت جذوعها مغاور للعسف، والذواكر الحافظات!
أي بشر هؤلاء الذين يمنعون ، ببنادقهم ورشاشاتهم، الزائرين للقدس من دخول الأسواق الفلسطينية، كي لا يقفوا مشدوهين حائرين معجبين مسحورين بما فيها من حذق وإبداع.. من أساور الخرز إلى تطريز الثياب، ومن صياغة الذهب والفضة إلى روائح الخبز والكعك والقهوة، وكي لا يسمعوا السردية الفلسطينية.. من أهلها!
أي بشر هم هؤلاء الذين يطالبون بالتهجير، والطرد، والتشريد، والتحييد، والإقصاء، والعزل، والاعتقال، والسجن، والموت للفلسطينيين بناة الأرض والعمران، وليس لهم من هدف سوى أن تتسيد روايتهم وقولاتهم الهشة الساذجة عن المكان والتاريخ والأسطرة والمجاز..المشهد!
ترى، هؤلاء البشر، إن لم يقرؤوا جبرا إبراهيم جبرا، ومحمد علي طه، وغسان كنفاني، ومحمود شقير، وخليل السواحري، وفدوى طوقان، ومحمود درويش، وراشد حسين، وسميح القاسم، ومن وافاهم ولحق بهم بالمعنى، والخطو، والرؤيا.. ترى، ألم يقرؤوا ما كتبه روجيه غارودي، ونعوم تشومسكي، وبابيه، وتورغينيف، وتشارلز ديكنز؟!
نعم، إن عمّ الغرور.. قتل!
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي