عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 شباط 2025

أي تهديد.. أي وعيد!

تغريدة الصباح - حسن حميد

بلى، في وقت الأزمات، والمخاوف، والتهديد الوحشي، وشيوع ثقافة الظلموت.. تصير الحياة كلها سؤال كرامة للفرد، فكيف إن صار سؤال الكرامة سؤالا للشعب؟!

في أسطورة جلجامش البابلية، إحدى مرتكزات الحضارة البابلية، وحين طغى جلجامش الذي نصفه بشري، ونصفه الآخر إلهي، أي نصفه فان، ونصفه الآخر خالد، امرأة اسمها (سيدوري) تعمل في حانة، غيرت مسارات ظلموته كلها، وافتكت ثقافة الحيرة التي ربخت على مملكة بابل، حين أغوت (أنكيدو) ليس من أجل الإغواء، وإنما من أجل أن يكون المعادل الموضوعي لقوة (جلجامش) والمبدد لظلمه وغروره وقوته العمياء التي طالت كل شيء في حياة أهل بابل، بما في ذلك النساء، الخادمات في المعابد، هؤلاء اللواتي نذرن أنفسهن للفضيلة كبنات للسماء، وليس للأرض، فكان يذهب إليهن لاستعراض فحولته داخل المعابد، وأمام ما تعارف عليه الناس بأنه مقدس ونبيل وجدير بالصلوات.

 (سيدوري) التي لا تدور الحكايات حولها، بل حول ما شغلت به داخل الحانة، هي التي غيرت الحياة في بابل، حين أنسنت (أنكيدو) الذي عاش حياته كلها مع وحوش البراري؛ (أنكيدو) الذي لا يعرف لغة للخطاب مع البشر، علمته (سيدوري) اللغة والخطاب، وعلمته التمييز ما بين الحيوانات والبشر، وفاضلت له بين النبات واللحم، وبردت له مسننات وحشيته التي ما عرف غيرها من وسيلة للتعامل مع الأشياء والكائنات، وجعلته يدرك أن الحياة سلام، واختلاط، وعشرة، وتفاهم، وحوار، وأسئلة، وأجوبة، وليست قوة، وتوحش، وتهديد، وتخويف، وتباهي بالقوة الضريرة التي لا ترى لها من هدف سوى الموت، والخراب، ومحو الأشياء والكائنات.

و(أنكيدو) هو من جعل (جلجامش) يعي أن ما من قوة في الدنيا إلا ولها ما يعادلها، وأن القوة مهما تعالت شؤونها هي مثل النار.. ألسنة وحرائق، ثم انطفاء! وأن القوة التي لا تعمر المدائن، وتحرث الأرض وتزرعها، وتجري السواقي، وتشق الطرق، وترفع الأقواس والقناطر، وتكتب الكتب، وتبدع الفنون.. هي قوة سخيفة، وسطحية، وهشة، ولا يعول عليها.

حين أدرك (جلجامش) هذا الوعي، تبناه، فغدت بابل بلاد ثقافة وعمران، وسعت إلى أن تنشر جماليات الثقافة والعمران في كل ما هو حولها من جهات الأرض.

لقد مشى (جلجامش) و(أنكيدو) الأميال الطوال، على قدميهما، لا عربة تحملهما، ولا ثيران، ولا قوارب تعبر بهما البحار، من أجل وأد الشر ومحوه في غابات السنديان والأرز التي كانت تضافف نهر الأردن المقدس، حين تعاون الاثنان على قتل( خمبابا) لتصير الغابات التي لم تعرف سوى التوحش والقتل مدائن لها أسماء ذهبية: صيدون، وعكا وطبريا، وقانا، والناصرة، ولتزدهر الحياة، وتعلو قيمتها ليس بالقوة الضريرة، وإنما بحقول القمح والورد وعباد الشمس، وبالأقلام، والورق، والأحبار، والتأمل، وسؤال العقل ما الذي يشد الأرض للمطر، والطمأنينة إلى القرى، وطيور السنونو إلى سقوف البيوت لتصير من أهلها.

بلى، إنه الآن، وقت القوة الضريرة، وقت التفاخر بالقدرة على الإبادة، ومحو العمران، وتصحر الأرض، وشيطنة البحار والأنهار، ولوم مدونات التاريخ والجغرافية والقوانين التي أنتجتها الحضارات الإنسانية تعاقبا، وطورتها تعاقبا حتى قرت وسكنت الوجدان، وقت السكوت والجمجمة على انتهاكات القوة الضريرة لمعاني الحق والخير والجمال، خوفا ومداهنة، أو لواذا بالساترات، و طلبا للسلامة!

وكل هذا.. زيف، ونفاق، وخوف، وجهل، وارتعاد يشبه ارتعاد قصب الذرة الساذج، إذ ليس في الدنيا من قوة ضريرة جاهلة غشوم حاقدة.. قادرة على محو ثقافة العمران، لأن العمران فطرة، والقتل، والإخافة، والتهديدات هي مصانعة أوجدتها القوة التي لم تسمح للعقل بأن يعلو صوته في وجه اندفاعاتها الخرقاء، كما لم تسمح لنفسها، ولو للحظة واحدة، أن تعرف ما في الحس الآدمي من جمال.

وكل هذا.. اندثار، وزوال.

وكل هذا.. لا يخيف، ولا يشل قوة الأمم والشعوب، ولا أهل القرى ترابا وعمرانا وكتبا وفنونا وعادات وتقاليد وأعرافا وتصورات، هذا يخيف السراق واللصوص والمحتلين والغرباء فقط الذين لم يعرفوا طعما من طعوم هناءات القرى، ولا شروقا من شروقات الفجر على الطيور ونباتات النعناع والحبق، وبلادنا الفلسطينية التي سورتها تهديدات القوة الضريرة، منذ قرن من سنوات البشر التي يعدون ويحصون، هي بلاد قرى، وعمران، وأرض، وأنهار وبحار، وعادات، وتقاليد، وأعراف، وكتب، وفنون، ومن كانت بلاده على هذه الصورة فهو لا يعرف الخوف، ولا تتزلزل روحه، ولا تبهت همته أو تحط، أيا كانت التهديدات، وأيا كانت عزومها، وذلك لسبب بسيط هو أن أهل فلسطين يعرفون التاريخ جيدا، وقد اجتاحتهم، من قبل، قوى ضريرة كثيرة جاءتهم من كل جهات الأرض، ومن البحار والأنهار، ومن البراري والصحارى، ومن قيعان الأرض، وكلها ولت مهزومة مدحورة، والأمثلة تضيق بها رحابات الكتب، لقد بنى أصحاب القوة الضريرة القلاع والسجون فوق الأراضي الفلسطينية، وحرسوا الدروب والطرق، وبثوا ثقافة الهلع والخوف، لكنهم، وفي هذا الوقت الشائن، أين همو؟ قلاعهم وسجونهم ودروبهم المخيفة وتهديداتهم وقادتهم.. كل هذا زال، وامحى، وبديلها الآن المدارس والمشافي والمعابد والكتب والموسيقى والقصائد العابرات!

بلى، لا خوف من تهديدات زائفة، ولا من قوة ضريرة، ولا من غرور أجوف، ولا عنجهية ذات شناءة.. قادرة على أن تجعل من أنسن بحر غزة، وشق فيه الدروب الراشدات، ومن زرع الجليل بالبرتقال والورد والقمح، ومن جعل ضفاف طبريا كفوف محبة وظلال آمنات، ومن جعل بيوت القدس علوات للغيوم السابحات كي تهبط منها انتشارا روائح القهوة.. هؤلاء: أجدادا، وآباء وأبناء وأحفادا.. لا يخافون الوعيد وما فيه، بل .. لا يعرفونه أصلا !

[email protected]