عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 شباط 2025

نهارات الدفلى..!

تغريدة الصباح - حسن حميد

مثل وحشين استأنسا بالقبور والأشواك، بكيت أنا والناقد الفلسطيني الفذ يوسف سامي اليوسف، بعد أن دفنا الشاعر الفلسطيني المفرد فواز عيد.

خرج الجميع من المقبرة، في مخيم جرمانا، طي الصمت الثقيل، يجرون خطى ثقيلة أيضا، وبقيت أنا ويوسف اليوسف وحيدين في المقبرة، جاثيين إلى جوار قبر فواز عيد الذي علته(تبة) من تراب بليل له لون زيتوني يكاد يكون لون الحناء.

قال يوسف اليوسف، وهو يرمي بصره فوق قبر فواز عيد مثل صياد يرمي شبكته في البحر، وهو يتمنى لو أنها تفترشه كله، وتنهد وهو يهمهم: والله أحبك يا فواز، وأحب شعرك الذي فتحت به بوابة الشعر الفلسطيني الحديث بحق، سامحني، فأنا لم أستطع أن أبكيك في هذه اللحظات التي لا أصدق صورتها، ولا أصدق خبرها، ولا أصدق ما بدأته، وما انتهت إليه، لعل دموعي نشفت، أو أن عناد عقلي تسيد ضجيج قلبي، نعم أبكيك بقلبي، ولم ير أحد من أهلك دموعي الواجبة في هذه اللحظات.

قلت مهونا، وأنا أربت على كتف يوسف اليوسف (أبو الوليد): وحشة الغربة وحش مخيف جلف، أخذ منا طبيعة أرواحنا، طبيعة النبات اللين الطري البارق، فأصاب أعضاءنا النبيلة بالخشونة، فلا القلب يخرج من الصدر، في لحظات مثل هذه، ليطلق آهاه، ولا الدموع تجري كما تجري الأنهار على فقد مثل هذا.

كنا في 31 كانون الثاني من عام 1999 حين دفنا الشاعر فواز عيد، في مخيم جرمانا، في جو ماطر، هواؤه مجنون، وبرده شوكي، وطينه كثير، والأيدي بعضها يدعك بعضها الآخر، ما كنا كثرة، نفر من أهله، وكاتبان، وحولنا أشواك صيف لم تقتلع أو تتهاوى بعد؛ أشواك ذات شقرة غريبة راحت تطاول القبور، وأكياس النايلون، والأوراق.. تتقافز وتتطاير هنا وهناك، وهمهمات تصدر عن اجتماعنا حول القبر، ثم دعاء قصير خافت، ثم تحرك الجمع وانفض خارجا من المقبرة فوق خطى واهنة، وقد هممت باللحاق بهم، لولا أن يوسف اليوسف أومأ لي بأن نبقى قليلا، فبقيت وإياه، في جلستنا غير المريحة قرب قبر فواز عيد الذي بدا وتجلى بتلة من التراب البليل الذي عمته خضرة زيتونية تميل إلى السواد، قال يوسف اليوسف: أي نهاية هذه التي تختتم بها حياتك يا فواز عيد، يا من ناديت في أول الستينيات محذرا (في شمسي دوار) وصرخت شعرا، وبكيت شعرا، ولم تطمئن نفسك إلا عندما رأيت الفلسطيني اللاجئ في مخيم جرمانا، حيث قر بك المقام الأخير هنا، ليمزق ثيابه التي بللها وأبلاها الحزن الثقيل، وليلبس (الفوتيك الأخضر)، ويمضي في غبشة الفجر نحو (أعناق الجياد النافرة)، وحين هدأت نار قلبك، قلت: مرحبا أيها السفر، لكأن نفسك اطمأنت لرحلة أهلك الجديدة، فمضيت حاملا شهادة البكالوريوس في اللغة العربية إلى الخليج كي تحوز على النقود، وتعود إلى الخيمة/ البيت، لتقول لها: وداعا، فأنت منذ اليوم ذكرى، وتاريخ، وعاطفة، وعذاب، وقدر فرض علينا، لقد رضيت بالغياب، وصحبة المتنبي، والصعاليك، وعبد الرحيم محمود، وعبد الكريم الكرمي، ومطلق عبد الخالق، وحسن البحيري، وأحمد شوقي، والجواهري، وبدوي الجبل، والسياب، وطربت لأصواتهم المنشدة في قاعات الدرس، وحين التفت إلى النثر صاحبت جبرا إبراهيم جبرا، وغسان كنفاني، وسميرة عزام، وأميل حبيبي، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وتوفيق يوسف عواد، وشوقي بغدادي، وسعيد حورانية، وسهيل إدريس، حتى صارت قصصهم ورواياتهم حقول عباد شمس، وشجر خروب، ودوالي ذات عرائش ساحرة داخل غرف الدروس.

أي غربة، وأي غياب، وأي غيبوبة معلنة أخذتك منا يا فواز عيد، وأخذت شعرك الجميل، من أجل أن تستحوذ على المال لتبني، في مكان الخيمة، بيتا تحيط به أشجار الرمان، مثل بيتك الذي درت حوله، وفي حاكورته طفلا في بلدتك (سمخ) الآخذة بيد البحيرة العظيمة (بحيرة الجليل) طبريا. خمسة عشر عاما، عام يتلوه عام، ولم تجمع من المال الخادع سوى القليل، وحين دار الكلام المهموس حولك، وحول فلسطينيتك، لم تنتظر عبوسا، أو كلاما ضريرا، أو استدارة ظهر، فعدت، والعود أحمد، لتقول لنا إن ذلك الوقت الذي غيبك عنا، وعن شعرك كان (أنحل من أنين)، وأنك عانيت، وتساءلت، وبكيت كل ذلك الوقت الذي خر من ثقوب غربال الحياة، لذلك عدت لتجهر بأنك الآن تقف (بباب البساتين والنوم)، كي ترى الألوان، وتسمع رنين الخطا في أزقة المخيم، وتدرك ما شالت به الوجوه، ولكي تتخفف من أسئلة ثقيلة ربخت فوق صدرك، عدت لتؤاخي شعرك الجميل مناداة بالصوت الذي لا يخلو من رائحة الحريق، عاندك الشعر قليلا، فأصررت على مؤاخاته، لذلك كان لا بد من تعارف آخر؛ وتعب آخر له علاقة بالحفر عميقا للوصول إلى أسرار الشعر العصية، كيما تؤوب، يافواز عيد، إلى رحابة قصيدك في (أعناق الجياد النافرة)، و(في شمسي دوار) لتقوللمحبوبتك الجميلة الطويلة الناحلة/ فلسطين: كانت أيام الغياب والغربة (نهارات دفلى) في منفى مركب، وغيبوبة مركبة، وذهان مركب، ومواجعمركبة أدمتها فواتح الأسئلة الراعبة: ماذا، وأين، وكيف؟

ها أنت هنا، يا فواز عيد، في تلبث آخر، وفي انتظار آخر، وفي أسئلة أخرى، ووجع آخر اسمه: الوطن! لكن لا تقلق، أؤكد لكمرة أخرى ألا تقلق، لأننا،حين نعود، ستعود معنا، أنا إلى (لوبيا) (جارة حطين) وهذا ابن حميد إلى (جسر بنات يعقوب)، وأنت إلى (سمخ)، إن أكلنا سمكا مشويا، أو مقليا من بحيرة طبريا سنذكر فواز عيد، وقصيدته (بيننا فنجان قهوة)، وإن هوسنا الفستق في جسر بنات يعقوب سنذكر فواز عيد، وقصيدته( ارتباك الأقحوان)!

بلى، يا صاحب الحداثة الشعرية، وحارسها، ومشتق دربها، ومعلي قنطرتها، أنا الآن بحاجة يدك، فخذ بيدي، انهض جسدي، وقل منشدا الآن:

 زعموا بأنك راحل/ في نبعة الفجر الذي/ قد جاءنا يوما معك/ إن كنت محزونا قليلا/ فانتظر .. لنشيعك/ وإذا رحلت/ وما التفت/ فهب لنظرتنا الكسيرة..منة/ كي تتبعك.

انشد، يا صديقي،كي أنهض ترابجسدي،وأنهي تجفاف بلل ثيابي، وأصرخ بـ (سمخ)أم السنديان والخروب: حييت من أم، ومن بلاد، ومن بساتين، ومن شرفات.. تطل على بحيرة الجليل، ومن شجر رمان، جلناره يضيء،ومن شجر صفصاف وزيزفون تمتد ظلاله من ضفتي نهر الأردن العزيز شمالا إلى آخر طريق الرشيد في رفح الجنوب، ومن سدوف نخيل أريحا شرقا إلى جهرة الضوء في (تل الهوى) الغزية غربا.

أجل، هات يدك، يا صديقي، أرجوك، لأنهض ترابجسدي، واعذرني لتهطال دمعي الآن، وقد عز علي قبل قليل، هات يدك، وخذ يدي، لنغطي بهما معا (نهارات الدفلى) التي مرت، وتمر بنا.. بين حين وحين!!

Hasanhamid55Qyahoo.com