عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 كانون الأول 2024

النخب الفلسطينية وظاهرة اللعب على كل الحبال

باسم برهوم

في العمل السياسي الفلسطيني هناك مساحة واسعة للاجتهاد، والجمهور في العادة هو الحكم، لكن ان الجمهور الفلسطيني وعلى امتداد الصراع كان من السهل خداعه وإيقاعه في حقول ألغام المزايدات والعواطف، والسبب انه شعب يعاني من ظلم تاريخي  كبير،  وهو متعطش للحرية، ولذلك يمكن ببساطة ان يتعلق بقشة أي طراف يطلق الشعارات ويقول انه يريد تحرير فلسطين حتى لو كان هذا الطرف غير قادر اطلاقا على تنفيذ شعاراته، او انه لا ينوي بالأساس تنفيذ ما يقول. مع ذلك هناك حقيقة مفادها أن الجمهور يمكن أن يخدع لبعض الوقت ولكن ليس كل الوقت.

ولعل اخطر النخب السياسية الفلسطينية هم أولئك الذين يعملون في السياسة الفلسطينية بتمويل طرف خارجي، ويعملون وفق اجندته، حتى لو كانت هذه الاجندة تمزق وحدة الشعب الفلسطيني، وقد تهدد بتصفية قضيته. ولعل الاخطر من بين هذا الصنف من السياسيين الفلسطينيين هم أولئك الذين يقومون باتصالات سرية مع الجانب الإسرائيلي دون علم او مشاورة القيادة الفلسطينية الشرعية، او حتى اطلاعهاعلى نتائج هذه الاتصالات، وهذا ينطبق على الأفراد كما الجماعات.

يمكن قبول الاجتهاد بأي اتجاه كان ولكن التماشي مع اجندات خارجية والتنسيق مع سلطات الاحتلال بسرية هذا لا يدخل في مجال الاجتهاد، إنه خرق لخطوط العمل الوطني الحمر، وهذا لا يعني بأي حال عدم إجراء حوار او اتصال مع أوساط إسرائيلية، ولكن ليس في السر وبعيدا عن التنسيق مع القيادة الرسمية، وهي بالتأكيد لا تعارض ما دامت هذه الاتصالات تصب في مصلحة السلام والتعايش وفق رؤية حل الدولتين او حتى دولة ثنائية القومية، او اي حل متفق عليه وطنيا. هذا من جانب، اما الجانب الآخر هو البحث في اليوم التالي سواء للحرب في غزة أو بما يتعلق بمخططات ومحاولات إسرائيل إسقاط السلطة الوطنية، فهذه أمور تجري في الداخل الفلسطيني، ولا يجوز مناقشتها مع الجانب الإسرائيلي الا في سياق موقف وطني موحد، يكون المقصود منه تنسق عملية التنفيذه مع الجانب الإسرائيلي.

ثمة حاجة لأن تنظر هذه النخب الى ما يجري في المنطقة، والى اين اخذت الاجندات شعوب الدول العربية، لقد أعادت هذه الاجندات الشعوب مئات السنينالى الوراء. لعل أسوأ ما في المشهد هو ان تتسابق هذه النخب من اجل ان تضمن لها مكان ومكانة في الترتيبات الإسرائيلية للمنطقة. وثمة حاجة هنا أن تتوقف حماس من  لعب دور انها هي من يتحدث باسم الشعب الفلسطيني، وأن تقدم نفسها بديلا لمنظمة التحريرالفلسطينية، وهي مجرد فصيل، وخصوصا انها هي من تسبب بالنكبة الفظيعة التي يعيشها قطاع غزة والكل الفلسطيني اليوم، على حماس ان تقر ان للشعب الفلسطيني قيادة تمثله، وما هو ينطبق على فصيل ينطبق على الأفراد، فليس من حق أحد ان يخوض عملية تفاوض مع الجانب الإسرائيلي بشكل منفرد، خصوصا إذا تعلق الأمر بمستقبل الشعب الفلسطيني، واي معارضة للقيادة الحالية يتم داخليا بشكل ديموقراطي وبأساليب الديموقراطية السلمية.

بإمكان النخب ان تتفق او تعارض وان تجتهد بما يتعلق بالصراع والقضية الفلسطينية، فهذا امر مشروع بل ومطلوب، ولكن ليس بمنطق الانقسام، او ان يكون للشعب الفلسطيني اكثر من رأس ومن مركز قرار، كما ان الاولوية اليوم هي   لوقف الحرب في قطاع غزة، وإعادة توحيد الوطن الفلسطيني، والبحث عن طرق لإعادة الاعمار، وبموازاة ذلك يمكن العمل على إجراءانتخابات ديمقراطية، تحدد من سيقود البلاد في المرحلة المقبلة. ان من بين اخطر الظواهر هي  ان يتسابق بعض الفلسطينيون على تسويق أنفسهم لدى إسرائيل، فهذا الأمر لن يقود الا إلى شرذمة الحالة الوطنية وهو ما يريده الاحتلال الإسرائيلي.

تمتين الوحدة الوطنية يتطلب الحوار الداخلي وليس فتح قنوات متعددة للتفاوض مع إسرائيل، ولعله افضل واقع تريده الدولة العبرية هو ان يعيش الشعب الفلسطيني في كانتونات، تحكم كل منها عائلة او عشيرة او فصيل سياسي، وبما يتعلق بالوحدة الوطنية هناك منظمة التحرير الفلسطينية المفتوحة أبوابها للجميع، وان يضم المجلس الوطني الجميع.  هذا الأمر يمكن ان يحصل مباشرة وحتى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريغية، فلا يجوز أن يبقى احد خارج المنظمة ويقدم نفسه بديلا لها، فطريق الوحدة واضح فكل ما  في الأمر اننا بحاجة للإرادة، إرادة الوحدة.

اما ان تواصل بعض النخب اللعب على كل الحبال فهذا لن يأتي بالخير لاحد، انما سيقود إلى مصادرة القرار الوطني الفلسطيني، والى سقوطنا جميعا في فخ الاجندات المتصارعة في المنطقة، وهو ما سيقضي على كل الآمال بتحقيق الاستقلال الوطني.